بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار السابع والستون 67 · صفحة 108 من 1140

صفحة
[صفحة 40]

إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ.


و الله سبحانه منزه عن أن يكون له إصبع مركبة من دم و لحم و عظم ينقسم بالأنامل و لكن روح الإصبع سرعة التقليب و القدرة على التحريك و التغيير فإنك لا تريد إصبعك لشخصها بل لفعلها في التقليب و الترديد و كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك فالله تعالى إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك و الشيطان و هما مسخران بقدرته في تقليب القلوب كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا.


و القلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة و الشياطين صلاحا متساويا ليس يترجح أحدهما على الآخر و إنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى و الإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها و مخالفتها فإن اتبع الإنسان مقتضى الشهوة و الغضب ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى و صار القلب عش الشيطان و معدنه لأن الهوى هو مرعى الشيطان و مرتعه و إن جاهد الشهوات و لم يسلطها على نفسه و تشبه بأخلاق الملائكة صار قلبه مستقر الملائكة و مهبطهم.


و لما كان لا يخلو قلب عن شهوة و غضب و حرص و طمع و طول أمل إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة و لذلك‏


قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ لَهُ شَيْطَانٌ قَالُوا وَ لَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَ لَا أَنَا إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَمْ يَأْمُرْنِي إِلَّا بِخَيْرٍ.


. و إنما كان هذا لأن الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة فمن أعانه الله على شهوته حتى صار لا ينبسط إلا حيث ينبغي و إلى الحد الذي ينبغي فشهوته لا تدعوه إلى الشر فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير و مهما غلب على القلب ذكر الدنيا و مقتضيات الهوى وجد الشيطان مجالا فوسوس و مهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان و ضاق مجاله و أقبل الملك و ألهم.


فالتطارد بين جندي الملائكة و الشياطين في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيسكن و يستوطن و يكون اجتياز الثاني اختلاسا و أكثر القلوب‏


التالي ص 108/1140 — الأصلية 40 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...