تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء التاسع والستون 69 · صفحة 72 من 926
صفحة
[صفحة 33]
و أجاب الآخرون بأنه إيماء إلى أن علة الدخول الفقر و تركه الطيبات يدل على فضل الفقر و استعاذته من الفقر معارض باستعاذته من الغنى و لا نزاع في كون المال خيرا بل في الأفضل و كان عند وفاته ص درعه مرهونا و غنى الله تعالى بمعنى آخر انتهى.
و ذهب أكثرهم إلى أن الكفاف أفضل من الغنى و الفقر فإنه سالم من آفاتهما و ليس ببعيد و قال بعضهم هذا كله صحيح لكن لا يدفع أصل السؤال في أيهما أفضل الغنى أو الفقر لأن النزاع إنما ورد في حق من اتصف بأحد الوصفين أيهما في حقه أفضل و قيل إن السؤال أيهما أفضل لا يستقيم لاحتمال أن يكون لأحدهما من العمل الصالح ما ليس للآخر فيكون أفضل و إنما يقع السؤال عنهما إذا استويا بحيث يكون لكل منهما من العمل ما يقاوم به عمل الآخر فتعلم أيهما أفضل عند الله و لذا قيل صورة الاختلاف في فقير ليس بحريص و غني ليس بممسك إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني البخيل و أن الغني المنفق أفضل من الفقير الحريص قال و كل ما يراد لغيره و لا يراد لعينه ينبغي أن يضاف إلى مقصوده فيه ليظهر فضله فالمال ليس محذورا لعينه بل لكونه قد يعوق عن الله و كذا العكس فكم من غني لم يشغله غناه عن الله و كم من فقير شغله فقره عن الله.
إلى أن قال و إن أخذت بالأكثر فالفقير عن الخطر أبعد لأن فتنة الغنى أشد من فتنة الفقر و قال بعضهم كلام الناس في أصل المسألة يختلف فمنهم من فضل الفقر و منهم من فضل الغنى و منهم من فضل الكفاف و كل ذلك خارج عن محل الخلاف أي الحالين أفضل عند الله للعبد حتى يتكسب ذلك و يتخلق به هل التقلل من المال أفضل ليتفرغ قلبه عن الشواغل و ينال لذة المناجاة و لا ينهمك في الاكتساب ليستريح من طول الحساب أو التشاغل باكتساب المال أفضل ليستكثر من القرب من البر و الصلة لما في ذلك من النفع المتعدي.
قال و إذا كان الأمر كذلك فالأفضل ما اختاره النبي ص و جمهور أصحابه من التقلل في الدنيا و البعد عن زهرتها و يبقى النظر فيمن حصل له شيء من الدنيا