بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · صفحة 31

[صفحة 31]

كما لا يبقى الإبل في طريق الحج إلا بعلف و ماء و جلال.


و مثال العبد في نسيانه نفسه و مقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق و لا يزال يعلف الدابة و يتعهدها و ينظفها و يكسوها ألوان الثياب و يحمل إليها أنواع الحشيش و يبرد لها الماء بالثلج حتى تفوته القافلة و هو غافل عن الحج و عن مرور القافلة و عن بقائه في البادية فريسة للسباع هو و ناقته و الحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده و قلبه إلى الكعبة و الحج و إنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشغل بتعهد البدن إلا بالضرورة كما لا يدخل بيت الماء إلا للضرورة و لا فرق بين إدخال الطعام في البدن و بين إخراجه من البطن: و أكثر ما شغل الناس عن الله البدن فإن القوت ضروري و أمر الملبس و المسكن أهون و لو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور و اقتصروا عليها لم تستغرقهم أشغال الدنيا فإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا و حكمتها و حظوظهم منها و لكنهم جهلوا و غفلوا و تتابعت أشغال الدنيا و اتصلت بعضها ببعض و تداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الأشغال و نسوا مقصودها.


و أما تفاصيل أشغال الدنيا و كيفية حدوث الحاجة إليها و انجرار بعضها إلى بعض فمما يطول ذكرها و خارج عن مقصود كتابنا.


و إذا تأملت فيها علمت أن الإنسان لاضطراره إلى القوت و المسكن و الملبس يحتاج إلى خمس صناعات و هي الفلاحة لتحصيل النبات و الرعاية لحفظ الحيوانات و استنتاجها و الاقتناص لتحصيل ما خلق الله من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب و الحياكة للباس و البناء للمسكن ثم يحتاج بسبب ذلك إلى التجارة و الحدادة و الخرز أي إصلاح جلود الحيوانات و أجزائها ثم لبقاء النوع إلى المنكح ثم إلى حفظ الولد و تربيته ثم لاجتماعهم إلى قرية يجتمعون فيها ثم إلى قاض و حاكم يتحاكمون إليه ثم إلى جند يحرسهم عن الأعادي ثم إلى خراج يعان به الجند ثم إلى عمال و خزان لذلك ثم إلى ملك يدبرهم‏


التالي صفحة 31 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...