تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السبعون 70 · صفحة 224 من 441
صفحة
[صفحة 202]
و هو على أخس الأوصاف و النعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع و لا يبصر و لا يحس و لا يتحرك و لا ينطق و لا يبطش و لا يدرك و لا يعلم فبدأ بموته قبل حياته و بضعفه قبل قوته و بجهله قبل علمه و بعماه قبل بصره و بصممه قبل سمعه و ببكمه قبل نطقه و بضلالته قبل هداه و بفقره قبل غناه و بعجزه قبل قدرته.
فهذا معنى قوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ كذلك خلقه أولا ثم امتن عليه فقال ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ و هذه إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت و لذلك قال مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ و معناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا و نطفة ثانيا و أبصره بعد ما كان فاقد البصر و قواه بعد الضعف و علمه بعد الجهل و خلق له الأعضاء بما فيها من العجائب و الآيات بعد الفقد لها و أغناه بعد الفقر و أشبعه بعد الجوع و كساه بعد العرى و هداه بعد الضلال.
فانظر كيف دبره و صوره و إلى السبيل كيف يسره و إلى طغيان الإنسان ما أكفره و إلى جهل الإنسان كيف أظهره فقال تعالى أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (1) وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (2) فانظر إلى نعمة الله عليه كيف نقله من تلك القلة و الذلة و الخسة و القذارة إلى هذه الرفعة و الكرامة فصار موجودا بعد العدم و حيا بعد الموت و ناطقا بعد البكم و بصيرا بعد العمى و قويا بعد الضعف و عالما بعد الجهل و مهديا بعد الضلالة و قادرا بعد العجز و غنيا بعد الفقر فكان في ذاته لا شيء و أي شيء أخس من لا شيء و أي قلة أقل من العدم المحض ثم صار بالله شيئا و إنما خلقه من التراب الذليل و النطفة القذرة بعد العدم المحض ليعرفه خسة ذاته فيعرف به نفسه و إنما أكمل