بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والسبعون 74 · الصفحة الأصلية 203 / داخلي 203 من 447

[صفحة 203]

إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ أَبْصَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلُ جَدْبٍ- فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ‏ (1) وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ- وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ فِي الطَّعَامِ وَ الْمَنَامِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ- فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً وَ لَا يَرَوْنَ لِنَفَقَتِهِ معزما [مَغْرَماً- وَ لَا شَيْ‏ءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُقَرِّبُهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ- وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَقَوْمٍ كَانُوا فِي مَنْزِلٍ خَصِيبٍ- فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدْبٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ- وَ لَا أَهْوَلَ لَدَيْهِمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا هُمْ فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ- وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ- ثُمَّ فَزَّعْتُكَ بِأَنْوَاعِ الْجَهَالاتِ لِئَلَّا تَعُدَّ نَفْسَكَ عَالِماً- فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَا يَعْلَمُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ قَلِيلٌ- فَعَدَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ جَاهِلًا- وَ ازْدَادَ بِمَا عَرَفَ مِنْ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ اجْتِهَاداً- فَمَا يَزَالُ لِلْعِلْمِ طَالِباً وَ فِيهِ رَاغِباً وَ لَهُ مُسْتَفِيداً- وَ لِأَهْلِهِ خَاشِعاً وَ لِرَأْيِهِ مُتَّهِماً- وَ لِلصَّمْتِ لَازِماً وَ لِلْخَطَإِ جَاحِداً وَ مِنْهُ مُسْتَحْيِياً- وَ إِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْرِفُ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ- لِمَا قَدْ قَدَّرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْجَهَالَةِ- وَ إِنَّ الْجَاهِلَ مَنْ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَا جَهِلَ- مِنْ مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ عَالِماً وَ بِرَأْيِهِ مُكْتَفِياً فَمَا يَزَالُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُبَاعِداً- وَ عَلَيْهِمْ زَارِياً وَ لِمَنْ خَالَفَهُ مُخَطِّياً- وَ لِمَا لَمْ يَعْرِفْ مِنَ الْأُمُورِ مُضَلِّلًا- وَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا يَعْرِفُهُ أَنْكَرَهُ وَ كَذَّبَ بِهِ- وَ قَالَ بِجَهَالَتِهِ مَا أَعْرِفُ هَذَا وَ مَا أَرَاهُ كَانَ- وَ مَا أَظُنُّ أَنْ يَكُونَ وَ أَنَّى كَانَ- وَ لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ لِثِقَتِهِ بِرَأْيِهِ وَ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِجَهَالَتِهِ- فَمَا يَنْفَكُّ مِمَّا يَرَى فِيمَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ رَأْيُهُ- وَ مِمَّا لَا يَعْرِفُ لِلْجَهْلِ مُسْتَفِيداً وَ لِلْحَقِّ مُنْكِراً- وَ فِي اللَّجَاجَةِ مُتَجَرِّياً وَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مُسْتَكْبِراً- يَا بُنَيَّ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ- وَ أَحِبَّ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا- لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ- وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ- وَ اسْتَقْبِحْ لِنَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ- وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ مَا تَرْضَى لَهُمْ مِنْكَ وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ- بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا عَلِمْتَ مِمَّا لَا تُحِبُّ أَنْ‏


____________

(1) نبا الشي‏ء: بعد و تأخر. و الجدب ضد الخصب. و جدب المكان أي انقطع عنه المطر. و الخصب- بالكسر-: كثرة العشب و رجل خصيب كثير الخير. و وعثاء السفر:

مشقته. و في بعض النسخ «جديب».


التالي الأصلية 203داخلي 203/447 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...