بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس والسبعون 75 · الصفحة الأصلية 433 / داخلي 433 من 461

[صفحة 433]

التُّرَابَ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ- ثُمَّ أَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ- فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعِ الْفَمِ مِنْ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ: فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ مَا صَنَعَ قَلَّ صَبْرُهُ وَ بَلَغَ مَجْهُودَهُ- فَقَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ- قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ إِنَّمَا اجْتَرَأْتَ عَلَى مَا صَنَعْتَ- لِمَكَانِكَ مِنِّي وَ إِدْلَالِكَ عَلَيَّ وَ فَضْلِ مَنْزِلَتِكَ عِنْدِي- وَ لَعَلَّكَ تُرِيدُ بِمَا صَنَعْتَ أَمْراً- فَخَرَّ الرَّجُلُ لِلْمَلِكِ سَاجِداً وَ قَبَّلَ قَدَمَيْهِ- وَ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَقْبِلْ عَلَيَّ بِعَقْلِكَ كُلِّهِ- فَإِنَّ مَثَلَ الْكَلِمَةِ كَمَثَلِ السَّهْمِ- إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي أَرْضٍ لَيِّنَةٍ يَثْبُتُ فِيهَا- وَ إِذَا رُمِيَ فِي الصَّفَا لَمْ يَثْبُتْ وَ مَثَلَ الْكَلِمَةِ كَمَثَلِ الْمَطَرِ- إِذَا أَصَابَ أَرْضاً طَيِّبَةً مَزْرُوعَةً يُنْبِتُهُ فِيهَا- وَ إِذَا أَصَابَ السِّبَاخَ لَمْ يُنْبِتْ وَ إِنَّ أَهْوَاءَ النَّاسِ مُتَفَرِّقَةٌ- وَ الْعَقْلُ وَ الْهَوَى يَصْطَرِعَانِ فِي الْقَلْبِ- فَإِنْ غَلَبَ هَوًى الْعَقْلَ عَمِلَ الرَّجُلُ بِالطَّيْشِ وَ السَّفَهِ- وَ إِنْ كَانَ الْهَوَى هُوَ الْمَغْلُوبَ لَمْ يُوجَدْ فِي أَمْرِ الرَّجُلِ سَقْطَةٌ- فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ مُنْذُ كُنْتُ غُلَاماً أُحِبُّ الْعِلْمَ- وَ أَرْغَبُ فِيهِ وَ أُوثِرُهُ عَلَى الْأُمُورِ كُلِّهَا- فَلَمْ أَدَعْ عِلْماً إِلَّا بَلَغْتُ مِنْهُ أَفْضَلَ مَبْلَغٍ- فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ أَطُوفُ بَيْنَ الْقُبُورِ- إِذْ قَدْ بَصُرْتُ بِهَذِهِ الْجُمْجُمَةِ بَارِزَةً مِنْ قُبُورِ الْمُلُوكِ- فَغَاظَنِي مَوْقِعُهَا وَ فِرَاقُهَا جَسَدَهَا غَضَباً لِلْمُلُوكِ- فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ وَ حَمَلْتُهَا إِلَى مَنْزِلِي فَأَلْبَسْتُهَا الدِّيبَاجَ- وَ نَضَحْتُهَا بِالْمَاءِ الْوَرْدِ وَ الطِّيبِ وَ وَضَعْتُهَا عَلَى الْفُرُشِ- وَ قُلْتُ إِنْ كَانَ مِنْ جَمَاجِمِ الْمُلُوكِ- فَسَيُؤْثِرُ فِيهَا إِكْرَامِي إِيَّاهَا- وَ تَرْجِعُ إِلَى جَمَالِهَا وَ بَهَائِهَا- وَ إِنْ كَانَتْ مِنْ جَمَاجِمِ الْمَسَاكِينِ- فَإِنَّ الْكَرَامَةَ لَا تَزِيدُهَا شَيْئاً فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِهَا أَيَّاماً- فَلَمْ أَسْتَنْكِرْ مِنْ هَيْئَتِهَا شَيْئاً- فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ دَعَوْتُ عَبْداً هُوَ أَهْوَنُ عَبْدِي عِنْدِي- فَأَهَانَهَا فَإِذَا هِيَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِهَانَةِ وَ الْإِكْرَامِ- فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَتَيْتُ الْحُكَمَاءَ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهَا- فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُمْ عِلْماً بِهَا ثُمَّ عَلِمْتُ أَنَّ الْمَلِكَ مُنْتَهَى الْعِلْمِ- وَ مَأْوَى الْحِلْمِ فَأَتَيْتُكَ خَائِفاً عَلَى نَفْسِي- فَلَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ- حَتَّى تَبْدَأَنِي بِهِ وَ أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي- أَيُّهَا الْمَلِكُ أَ جُمْجُمَةُ مَلِكٍ أَمْ جُمْجُمَةُ مِسْكِينٍ- فَإِنَّهَا لَمَّا أَعْيَانِي أَمْرُهَا تَفَكَّرْتُ فِي أَمْرِهَا- وَ فِي عَيْنِهَا الَّتِي كَانَتْ لَا يَمْلَؤُهَا شَيْ‏ءٌ- حَتَّى لَوْ قَدَرَتْ عَلَى مَا دُونَ السَّمَاءِ مِنْ شَيْ‏ءٍ تَطَلَّعَتْ- إِلَى أَنْ تَتَنَاوَلَ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ- فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا الَّذِي يَسُدُّهَا وَ يَمْلَأُهَا- فَإِذَا وَزْنُ دِرْهَمٍ مِنْ تُرَابٍ قَدْ سَدَّهَا وَ مَلَأَهَا- وَ


التالي الأصلية 433داخلي 433/461 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...