تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والسبعون 76 · صفحة 125 من 334
صفحة
[صفحة 124]
____________
قيل: ان المراد بالسكر ما يشرب من أنواع الاشربة ممّا يحل و الرزق الحسن ما يؤكل و الحسن: اللذيذ.
و قد أخطأ من تعلق بهذه الآية في تحليل النبيذ، لانه سبحانه انما أخبر عن فعل كانوا يتعاطونه، فأى رخصة في هذا اللفظ، و الوجه فيه أنّه سبحانه أخبر أنّه خلق هذه الثمار لينتفعوا بها، فاتخذوا منها ما هو محرم عليهم، و لا فرق بين قوله هذا و بين قوله «تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ» أقول: فرق بينهما لان قوله تعالى «تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً» في مقام الامتنان و قوله «تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ» في مقام الإنكار و قبله «وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ» نعم مثله في مقام الامتنان قوله: «تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ».
و أمّا قول ابن عبّاس و من تبعه بأن الرزق الحسن ما أحل منها؛ و في مقابله السكر ما حرم منها يأباه المقام فانه في مقام الامتنان بالطيبات، يشهد بذلك آيات قبله بانزال الماء من السماء و اسقاء اللبن من بين فرث و دم، و آيات بعده بإخراج العسل: شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس.
و الظاهر أن السكر معرب «شكر» بالفارسية: فكما أن الشكر هو ماء قصب يؤخذ و يغلى بالنار حتّى يقوم كالعسل فيؤتدم به هكذا صقر التمر و سقر العنب: يؤخذ و يغلى بالنار حتّى يقوم، ليؤتدم به، و هو الدبس و كلها رزق حسن اتخذها البشر بالهام اللّه عزّ و جلّ فعملها كذلك، لئلا يطرأها فساد الحموضة، و تبقى للائتدام بها و الارتزاق سنين كثيرة.
و كثيرا ما يغلى دبس السكر «شيره شكر» زائدا حتّى يعلوه رغوة و زبد يتحجر كاللوح فتؤخذ على حدة و تسمى بالفارسية «شكرك» و هو الذي سموه بالعربية «سكرة» كقبرة أو هي لغة حبشية على ما يظن، و يسمى دبس التمر و العنب صقرا و سقرا- بفتحتين بالسين و الصاد- أيضا و يشبهان لفظ «شكر» لفظا و معنا، و لعلهما تعريبان لكلمة «شكر» بصورة أخرى، و قد سمى جهنم «سقر» تشبيها لموادها المذابة الدائمة الغليان بالشيرج المغلية و «صقر» لغة في «سقر» فعلى هذا الرزق الحسن هو الخل في مقابل السكر.