بيان: لا خلاف في أن من أخل بستر العورة عمدا يعيد في الوقت و خارجه و لو أخل ناسيا أو جاهلا فذهب الأكثر منهم الشيخ و المحقق و العلامة إلى عدم الإعادة مطلقا كما يدل عليه هذا الخبر الصحيح و قال ابن الجنيد يعيد في الوقت خاصة و فرق الشهيد ره بين ما إذا صلى جميع الصلاة مكشوف العورة أو بعضها فحكم في الأول بالإعادة دون الثاني و لا يعلم وجهه و ما ذهب إليه الأكثر أظهر كما دل عليه الخبر.
تفصيل و تبيين اعلم أنه لا خلاف في وجوب ستر العورة في الصلاة و المشهور بين الأصحاب أن عورة الرجل التي يجب سترها في الصلاة و غيرها قبله و دبره أعني الذكر و الأنثيين و حلقة الدبر دون الأليتين و الفخذين (3)
____________
(1) السرائر: 476.
(2) راجع البحار ج 10 ص 279.
(3) قد عرفت في ذيل الآية أن المراد بالسوآت في قوله تعالى: «فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما» و هكذا قوله: «لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما» هو فلق الآيتين من الرجل و المرأة دبرا و فلق الحرّ من المرأة قبلا كالذكر و الانثيين من الرجل، بما عليها و على حواليها من الشعر النابت، كما هو الظاهر من لفظ السوآت، و لذلك قال عزّ و علا «وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» و ظاهر أن ورق الجنة لم يكن منسعا كالسربال و الازار حتّى يستر الاليتين و الفخذين، الا أن ذلك حكم عام للبشر و لذلك صدر الآية بقوله «يا بَنِي آدَمَ» من دون تقييد.
فامتثال هذا الحكم بما أنّه اجتناب الفاحشة، انما يكون بلبس خرقة يستر السوآت من القبل و الدبر كالذى يسمونه اليوم، «شرت» بضم الشين و سكون الراء، سواء في ذلك المسلم و غيره.
و أمّا المسلمون فقد أوجب اللّه تعالى عليهم الستر من السرة الى الركبتين بقوله «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ... وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ» النور: 30 و 31، و المراد بالفرج: فرج الازار بعد لبسه، فانهم كانوا يلبسون شملة يلفونها على أسفلهم من السرة الى الركبة بحيث يدرج أحد طرفيه على الآخر، الا أنّه قد ينفرج الطرفان عن الفخذين خصوصا حين الجلوس أو المشى بسرعة فينكشف، فأوجب اللّه على المؤمنين و المؤمنات أن يحفظوا فروج أزرهم حتّى لا ينكشف عن أفخاذهم و مع ذلك أوجب عليهم- اذا انكشف و انفرج ازار أحدهم- أن يغضوا أبصارهم لئلا يبصروا منه ما وجب ستره.
و أمّا قول المفسرين بأن المراد بالفرج العورة من القبل و الدبر. فلا يناسب مفهوم الفرج و الانفراج خصوصا في الآية الأولى بالنسبة الى الرجال، فان حلقة الدبر مستورة بالاليتين، و الذكر و الانثيين لا وجه لإطلاق الفرج عليه و هو ظاهر.
و أمّا قولهم بأن حفظ الفرج كناية عن عدم ارتكاب الزنا، فهو صحيح في بعض الموارد كقوله تعالى: «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ» و قوله تعالى: «وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها» حيث أطلق حفظ الفرج و احصان الازار و كنى به عن عدم ارتكاب الفاحشة لان ارتكابها يوجب وضع الازار و انفراجه عن القبل أو الدبر، و حفظ فرج الازار يوجب الحفظ عن الزنا و ارتكاب الفاحشة.
و أمّا في قوله تعالى: «يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» فالظاهر منه الحفظ من النظر بقرينة غض البصر، و بعبارة أخرى هو من صنعة الاحتباك كقوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً» غافر: 61 حيث يكمل كل جزء الجزء الآخر و يفيد أنه: جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه و النهار مبصرا لتبتغوا فيه من فضله.
فالمعنى في آية النور هكذا: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم من فروج المؤمنين و المؤمنات، و يحفظوا فروجهم من أبصار المؤمنين و المؤمنات، و قد ورد بذلك قول الصادق (عليه السلام) «كل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا الا هذه الآية فانها من النظر» راجع الكافي ج 2 ص 36، تفسير القمّيّ ص 455، الفقيه ج 1 ص 63.
فعلى هذا يجب حفظ الفرج بعد لبس الازار حتّى لا ينكشف عن موضعه- و هو من السرة الى الركبة- و لا يمكن حفظه حين الركوع و الانحناء الا إذا كان الازار متدليا الى نصف الساق كما كان يلبسه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كذلك لئلا ينكشف الفخذان حين الركوع.
و هذا الحكم عام بالنسبة الى الرجال و النساء بنص الآية و صريحها، و يختص النساء مع ذلك بقوله تعالى: «وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ» و الزينة التي اريدت هنا و قد أعطاها اللّه عز و جل كل النساء، شعر رأسها «إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها» بعد سترها بقطعة من اللباس قهرا و أحيانا، «وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ» و الخمار كان شملة اخرى كالرداء يعقدنه النساء على جيوبهن، فيستر من عنقها الى سرتها، و كان الخمار هذا مذيلا بحيث يتدلى على الازار الى الاليتين، لئلا ينكشف ما فوق الازار حين الانحناء، أو عند رفع اليدين لبعض الحاجات كالقنوت في الصلاة.
و هذا حكم ستر المرأة في كل حال حتّى في الصلاة، الا أنّه استثنى من ستر شعورهن بقوله عزّ من قائل «وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ» الى آخر الآية فرخص ابداء شعورهن للمحارم، ثمّ وصاهن بعدم الاحتيال فقال: و لا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن» أي لا يضربن بأرجلهن حين المشى بحيث يظهر شعورهن شيئا فشيئا من تحت المقنعة، ثمّ يعتذرن بأنها ظهرت قهرا و طبعا،.