تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثمانون 80 · صفحة 257 من 1342
صفحة
[صفحة 521] (1) الكافي ج 4 ص 521.
(2) البقرة: 183- 184، و لفظ الآيات هكذا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» و الصيام المفروض في هذه الآية هو الصوم و الامساك من المغرب الى المغرب كما هو المفروض على سائر الأمم، و منهم اليهود و قد كانوا بمرأى المؤمنين و مسمعهم: يصومون من الاكل و الشرب و الجماع من المغرب الى المغرب، و لذلك قال عزّ و جلّ: «كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و لا تجوز في قوله تعالى «أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» و قوله تعالى: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» لان اليوم يطلق على مجموع النهار و الليل و على ذلك فلا تعلق للآيات بما كان المؤلّف العلامة بصدده من البحث في تحقيق معنى النهار.
(3) البقرة: 183- 184، و لفظ الآيات هكذا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» و الصيام المفروض في هذه الآية هو الصوم و الامساك من المغرب الى المغرب كما هو المفروض على سائر الأمم، و منهم اليهود و قد كانوا بمرأى المؤمنين و مسمعهم: يصومون من الاكل و الشرب و الجماع من المغرب الى المغرب، و لذلك قال عزّ و جلّ: «كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و لا تجوز في قوله تعالى «أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» و قوله تعالى: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» لان اليوم يطلق على مجموع النهار و الليل و على ذلك فلا تعلق للآيات بما كان المؤلّف العلامة بصدده من البحث في تحقيق معنى النهار.
(4) البقرة: 187، و لا بأس بأن نتم بحث الآية هاهنا ليكون القارئ على بصيرة من ذلك فنقول: لما قال عزّ و جلّ «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ» صار الصوم مكتوبا عليهم كالدين على ما عرفت بيانه في كتابة الصلاة: «إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً» فوجب عليهم الصوم في ظرف معين، و ان فاتهم ذلك وجب عليهم قضاؤه، و ان فاتهم مدى عمرهم وجب على وليهم أن يصوم عنهم أو يستأجر من يصوم عنهم فلا يسقط الصوم عنهم أبدا، الا بالاداء.
و لما قال عزّ و جلّ «أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» و أطلقه علمنا أنّه لا بدّ و أن يكون تلك الايام متعينا من حيث التكليف، و لا تعين في أفراد الجموع غير المتناهية الا في أقله، و هو الثلاثة مع أنّه القدر المتيقن من كل جمع، و قد كانت هذه الثلاثة أيّام متعينا في كل شهر، و لذلك قال عزّ و جلّ: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» و لعلها هي أيّام العشر:
- بضم العين و فتح الشين- أعنى اليوم العاشر و الحادي عشر و الثاني عشر ثلاثة أيّام كما ورد به الرواية و هي أيّام التشريق.
فالظاهر أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنين كانوا يصومون تلك الأيّام فريضة حتى نزلت «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» فصاموا تمام شهر رمضان: يصومون من الغروب الى الغروب، و انما يفطرون مرة واحدة بين المغربين قبل العشاء و نومه، ليتحقّق مفهوم «صوم اليوم» و ليستعد المكلف للصوم في اليوم الآتي.
و كانوا على ذلك ما شاء اللّه حتّى جاء عام الخندق فعلم اللّه أنهم كانوا يختانون أنفسهم فتاب عليهم رحمة لهم و عفا عنهم و أنزل «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ» فقوله عزّ و جلّ «وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» يعنى التطهير من الجنابة بالماء و ان أعوزه فبالتراب، و لذلك كانت الطهارة فرضا من أركان الصوم لو أخل به الصائم عمدا أو جهلا أو نسيانا و سهوا كان صيامه باطلا و وجب عليه القضاء.
و يستفاد من قوله تعالى «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ» أن جواز الاكل و الشرب و الجماع ظرفه عامة الليل، و أن الليل تختتم بطلوع الفجر المعترض، و ما بعده مفتتح النهار، و لذلك قال: «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ» فلو كان بعد الفجر الى طلوع قرص الشمس من الليل أيضا لقال «ثم اتموا الصيام الى الليل القابل» و هو واضح لمن تأمل صدر الآية و ذيلها، و كفى بهذا دليلا على من قال أن ما بين الطلوعين معدود من الليل.
و معنى قوله عزّ و جلّ «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ» الخ أن الليل الذي جعله اللّه سباتا و سكنا بجعله مظلما، يختتم بطلوع الفجر إذا تبين لكم من نوره و شعاعه الخيط الابيض من الخيط الأسود، فحينئذ يقع كمال الابصار و يفتتح النهار كما أشار إليه بقوله عزّ و جلّ «جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً لتبتغوا فيه من فضله».
و أمّا ما قيل من أنّه شبه بياض الفجر بالخيط، لان القدر الذي يحرم الإفطار من البياض يشبه الخيط فيزول به مثله من السواد، و لا اعتبار بالانتشار أو قيل: شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الافق و ما يمتد معه من غبش الليل بخيطين أبيض و أسود، و اكتفى ببيان الخيط الابيض بقوله «مِنَ الْفَجْرِ» عن بياض الخيط الأسود، لدلالته على كونه من الليل، و بذلك خرجا عن الاستعارة الى التمثيل. ففيه أن الفجر الثاني على ما أجمع عليه أهل الإسلام و اعتبروه ميقاتا لحرمة الاكل و الشرب في شهر رمضان، له من العظمة و البهاء و النباهة ما يرفعه أن يتشابه بالخيط الابيض التافه على ما فيه من الدقة و البياض الذي لا يؤبه به، فلا تشابه و لا تجانس بينها من حيث الحسن و البهاء و عظمة النور حتّى يشبه أحدهما بالآخر، و لو جاز التشبيه بينهما كان الفجر هو المشبه به لكون وجه الشبه فيه أقوى و أجلى و هو به أعرف و أشهر، لا أن يشبه الفجر في حسنه و بهائه و نوره و سطوعه و انتشار ضيائه بالخيط الابيض، و هذا واضح لمن له أدنى دربة بأساليب الكلام.
هذا كله في الخيط الابيض، و أمّا الخيط الأسود، فالامر فيه أوهن و أفظع حيث لا يرى في الافق شيء يشبه بالخيط الأسود، لان أطباق السماء و أعنانها مملوء حينئذ ظلمة مطبقة، و الغبش الذي يتوهم فوق الفجر المعترض، فمع أنّه لا يشبه الخيط من حيث الدقة و العرض ليس تشبيهه بالخيط الأسود أولى من تشبيهه بالخيط الابيض لكونه ضياء مختلطا بالظلام و نسبته الى البياض و السواد سيان.