بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الحادي والثمانون 81 · صفحة 268

[صفحة 268]

مِنْ صَلَاةٍ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ فِي الْغَيْبِ وَ كَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ جُعِلَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ عُجِّلَتْ عَلَيْهِ مَنِيَّتُهُ مَاتَ فَقَلَّ تُرَاثُهُ وَ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ.


باب 17 ما يجوز فعله في الصلاة و ما لا يجوز و ما يقطعها و ما لا يقطعها


الآيات النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى‏ تَغْتَسِلُوا (1)


____________

(1) النساء: 43، و قد مر في ج 81 ص 33 و 133 شطر ممّا يتعلق بالآية و أقول هنا: ان السكر خلاف الصحو، يقال له بالفارسية «مستى» و هي حالة تعترى المشاعر حين يمتلئ الرأس- و فيها الدماغ- من الابخرة المتصاعدة إليها كالغيم الذي يملا أرجاء السماء فاذا ذهبت و صحى الرجل عاد المشاعر بحالها من الإدراك و تمالك الأعضاء كالسماء الصاحية اذا صحى من الغيم.

و هذا الامتلاء قد يكون لغضب أو عشق أو هم أو يكون باقتحام نازلة كما قال عزّ و جلّ‏ «وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ» أو لغلبة النوم كما قال عزّ و جلّ: «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» و قد يكون بشرب المسكرات كالشراب و النبيذ أو شرب الحشيش و الافيون أو أكل بعض المخدرات كالشيلم و الافيون، الا أن الناس في عرفهم تداولوا كلمة السكر بينهم عند حصول السكر من الشراب و لا موجب لحمل ألفاظ القرآن الحكيم على عرف الناس الذي قد يتبدل الاعصار، بل انما يحمل على أصل اللسان و أساس اللغة:


«لسان عربى مبين».


و من السكر سكر الابصار كما في قوله تعالى: «لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا» يعنون حارت أبصارنا كأنّها تبصر من وراء غيم و ضباب فلم نتحقّق العروج الى السماء، و هذا ممّا يسلم أن السكر ليس هو سكر الشراب فقط، حتى يعترض على الآية بانها كيف تجوز شرب المسكرات و تجعله اصلا ثمّ يتفرع عليه النهى عن الاقتراب الى الصلاة حال السكر.


اذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي سكر من النوم أو الافيون أو الخمر، اذا تحقّق سكره ذهب عنه التحفظ في القول و العمل بذهاب المشاعر، فلا هو يدرى ما يقول- اذا تكلم- و لعله يقول هجرا أو يقول كلمة الكفر، و لا هو يقدر على حفظ عدد الركعات و هو واجب عليه خصوصا مع فرضه و كونه ركنا بالنسبة الى الركعتين الأوليين، فلا يدرى بثنتين صلى الظهر أم بثمانيا. بل الذي سكر إذا تحقّق سكره أرخى وكاء السته منه فلا يعقل و لا يحس بما يخرج منه من الفسوة و الضرطة و غيرهما، و قد مر في كتاب الطهارة ج 80 ص 215 أن السكر كالاغماء و الجنون و النوم أمارة عقلائية فطرية لنقض الطهارة، فلا يجوز لهذا السكران أن يقرب من المسجد، و لا من عبادة الصلاة، حتى يصحو من سكره، و يكون صحوه بحيث يعلم ما يقول إذا تكلم.


فقوله تعالى: «حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» حد للصحو الذي يجوز معه الاقتراب من الصلوات بكلا معنييه، لا أنّه يجب أن يعلم و يفهم ما يقوله من القراءة و التسبيح و التهليل بحيث إذا غفل عن ذكره و قراءته كانت صلاته باطلة، و الا لكانت صلاة الاكثرين و خصوصا الاعجمين الذين لم يتعلموا العربية باطلة.


التالي صفحة 268 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...