بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والثمانون 84 · صفحة 273 من 994

صفحة
[صفحة 79]
(3) قد اعترض المؤلّف العلامة- ره- بمثل ذلك على الشيخ قدّس سرّه في ص 79 أيضا و قال: «الشيخ كثيرا يذكر الأدعية المطلقة عقيب الصلوات لانه أفضل الأوقات، و فيه ما فيه».


و عندي أن الشيخ قدّس سرّه اجل و أتقى من أن يدلس أو يتسامح في وضع شي‏ء في غير موضعه المشروع فينقل الأدعية في غير موردها المقطوع.


بل كان الشيخ قدّس سرّه أتقى و أورع من أن ينقل تلك الأحاديث المتضمنة لتلك الأدعية و يسندها الى الأئمّة المعصومين لما في اسنادها من الضعف و الوهن، و مخالفة متونها للسيرة المعروفة من أدعية الأئمّة (عليهم السلام) من الابتداء بالثناء و التحميد، ثمّ الصلاة على النبيّ و آله، ثمّ طلب الحوائج بما جرى على اللسان».


فالشيخ- شيخ الطائفة المحقة- لم يكن ليتسامح في نقل الأدعية في غير موردها أو يقيدها و هي مطلقة، بل كان يتسامح في أصل نقلها و جواز التمسك و التعلق بها، عملا بأخبار من بلغ- و تأسيسا لقاعدة التسامح في أدلة السنن- رجاء للداعى أن يثيبه اللّه عزّ و جلّ بالمغفرة و الرحمة و يتفضل عليه باجابة الدعاء و المسألة.


و لما كان سندها في غاية الوهن لا يوجب علما و لا عملا و لا صح اسنادها و نسبتها الى الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، احتاط في ذلك و أوردها في تعقيب الفرائض و النوافل تارة و في قنوتات الصلوات أخرى ليشملها عمومات الامر بالدعاء. و لذلك ترى أنّه قدس سره يذكر لفظ الدعاء مطلقا و لا يلتفت إلى ذكر سنده و لا الى ما في الخبر من شرح الدعاء و آثاره و فوائده الا قليلا.


على أن المسلم من الروايات أن الدعاء قسمان: قسم هو موقت يجب التحفظ على صورته كما ورد من دون تصرف فيه، و قسم هو غير موقت، يجوز انشاؤه أو اقتباسه من سائر الأدعية و التصرف فيها بما يناسب حال الداعي، اذا كان بالغا معرفته هذا المبلغ.


فمن الروايات التي تحكم بذلك ما نقله العلّامة المجلسيّ قدّس سرّه حين عقد في كتاب الأدعية بابا و ترجمه «باب جواز أن يدعى بكل دعاء و الرخصة في تأليفه». و ذكر نقلا من خطّ الشهيد- ره- عن عليّ (عليه السلام) قال:


قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ان الدعاء يرد البلاء و قد ابرم ابراما، قال الوشاء فقلت لعبد اللّه ابن سنان: هل في ذلك دعاء موقت؟ فقال: اما انى سألت الصادق (عليه السلام) فقال: نعم اما دعاء الشيعة المستضعفين ففى كل علة من العلل دعاء موقت: و أمّا المستبصرون البالغون فدعاؤهم لا يحجب.


و منها ما رواه الكليني في الكافي بالاسناد الى إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القنوت و ما يقال فيه، قال: ما قضى اللّه على لسانك و لا أعلم فيه شيئا موقتا.


و منها ما رواه الشيخ و الكليني قدس سرهما عن الحلبيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن القنوت في الوتر هل فيه شي‏ء موقت يتبع و يقال؟ فقال: لا، اثن على اللّه عزّ و جلّ و صل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و استغفر لذنبك العظيم، و كل ذنب عظيم.


فالدعاء الموقت هو الذي وقت بألفاظه و لا يجوز الزيادة عليه و لا النقيصة عنه حتّى بشي‏ء يسير من الاذكار، كما عرفت من انكار الأئمّة المعصومين على أصحابهم حيث قالوا:


«يا مقلب القلوب و الابصار» بدل «يا مقلب القلوب» و «يحيى و يميت و يميت و يحيى» بدل «يحيى و يميت» فقط، و غير ذلك من الموارد.


و أمّا الأدعية الواردة بألفاظ مختلفة في متونها كما في دعاء الالحاح الذي نقل في مورد البحث، فاختلاف ألفاظها يدلّ على أنّها من الأدعية غير الموقتة التي يجوز التصرف فيها بما يناسب مقال الداعي و حاله.


التالي ص 273/994 — الأصلية 79 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...