تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس والثمانون85 · صفحة 186 من 350
صفحة
[صفحة 180]
الثالث الشك بين الاثنتين و الأربع و المشهور بين الأصحاب فيه أيضا أنه يبني على الأكثر و يسلم و يحتاط بركعتين قائما و ربما نقل عن الصدوق التخيير بينه و بين البناء على الأقل و الإعادة و نقل في المختلف عن الصدوق أنه قال يعيد مع أن الفاضلين نقلا الإجماع على عدم الإعادة في صورة تعلق الشك بالأخيرتين و الأشهر أقوى و قد دلت عليه أخبار خاصة و عامة قد مر بعضها.
و يدل على البناء على الأقل أخبار منها ما رواه الشيخ (1) و الكليني (2) بسندين أحدهما حسن بإبراهيم بن هاشم و الآخر صحيح على المشهور
(3) لاسناد الكليني عن محمّد بن إسماعيل، قال ابن داود في رجاله: إذا وردت رواية عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن إسماعيل بلا واسطة ففى صحتها قول، لان في لقائه له- يعنى إسماعيل بن بزيع- اشكالا، فيقف الرواية لجهالة الواسطة بينهما، و ان كانا مرضيين معظمين. راجع في ذلك كتب الرجال و قد استوعب فيه الكلام الأردبيليّ في رجاله ذيل عنوانه لمحمّد بن إسماعيل بن بزيع.
(4) يعني بعد التسليم، و انما لم يصرح به اعتمادا على ما هو المعهود بين الشيعة من الركعات الاحتياطية بتكبير و تسليم على حدة منفصلة، كما مرّ آنفا عند عنوان المؤلّف العلامة ذيل الحديث في الفرع الثاني، و إذا جاء الاحتمال لم يصحّ الاستناد الى اطلاق الحديث.
(5) مراده (عليه السلام) بذلك قاعدة الاشتغال، و اليقين هو اليقين بأن المصلى يجب عليه أن يصلى أربعا و لا يزيد جمع صلواته على السبع عشرة، و نقض هذا اليقين (و قد عبر عنه الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) بالبراءة فقالوا: الاشتغال اليقينى لا يرتفع الا بالبراءة اليقينية) انما يجب بيقين آخر بأن يبنى على الاكثر و يسلم و يأتي بما نقص احتمالا بصورة منفصلة (فانها كانت مسنونة دخلت في الفرض بسنة النبيّ، و صارت خارجها في مورد الاضطرار بسنة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على مر و سيجيء) و أمّا إذا نقضه بالشك بأن يبنى على الاقل، لم يزل صلاته مشكوكة بين الاربع و الخمس، فمع أنّه يحتمل كون صلاته خمسا لا أربعا كيف يجوز له أن ينقض الواجب، و هو الصلاة أربعا باحتمال الامتثال.
فمعنى قوله (عليه السلام) «و لا يدخل الشك باليقين و لا يخلط أحدهما بالآخر» أنه لا يدخل الركعة المشكوكة في الركعات المتيقنة و لا يخلطهما، بل يفصل بينهما حتّى يخرج الركعة المشكوكة عن صلاته، فتكون نافلة لا يضر بركعات الفرض، ان كانت زائدة، و تكون من تمام صلاته المفروض لا يضرّه انفصالها، ان كانت صلاته ناقصة.
و قوله (عليه السلام) «و لكنه ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين و يبنى عليه» معناه أنه يهدم شكه العارض في ركعات صلاته باليقين القطعى و البراءة اليقينية و يتم صلاته على هذا اليقين من صحة ركعاته بالبناء على الاكثر لا بالشك الذي لا يزول مع البناء على الاقل أبدا.
و قوله «و لا يعتد بالشك في حال من الحالات» أي لا يعتد بالشك عند امتثال الاوامر بأن يبره من الاشتغال اليقينى بالبراءة المشكوكة، و لو كان مراده (عليه السلام) بالشك الشك في الركعات لم يكن لهذا الكلام معنى أبدا.
على أنّه لو كان مراده (عليه السلام) قاعدة الاستصحاب كما ذهب إليه المتأخرون من فقهائنا، بالبناء على الاقل، لكان المسألة واضحة لا يحتاج الى تكرار هذه الجملات و تأييده و تثبيته بعبارات يشبه بعضها بعضا من حيث المفاد، و لكان على الفقهاء أن يفتوا بذلك كما أفتى بذلك علماء الجمهور، و قد مر في ص 175 ما يؤيد ذلك و سيأتي ما ينص عليه.