محمد بن يعقوب الكليني · الأصول من الكافي الجزء الاول 1 · صفحة 140 من 480
صفحة
[صفحة 140] وراجع بحار الانوار ج 17 ص 140 وج 35 ص 73 من طبعة دار الكتب.
الصفحة 446
علمه وأورثكم كتابه وجعلكم تابوت علمه وعصا، عزه وضرب لكم مثلا من نوره وعصمكم من الزلل وآمنكم من الفتن، فتعزوا بعزاء الله، فإن الله لم ينزع منكم رحمته ولن يزيل عنكم نعمته، فأنتم أهل الله عزوجل الذين بهم تمت النعمة واجتمعت الفرقة وائتلفت الكلمة وأنتم أولياؤه، فمن تولاكم فاز ومن ظلم حقكم زهق، مودتكم من الله واجبة في كتابه على عباده المؤمنين، ثم الله على نصركم إذا يشاء قدير، فاصبروا لعواقب الامور، فإنها إلى الله تصير قد قبلكم الله من نبيه وديعة واستودعكم أولياء ه المؤمنين في الارض فمن أدى أمانته أتاه الله صدقه، فأنتم الامانة المستودعة ولكم المودة الواجبة والطاعة المفروضة وقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أكمل لكم الدين وبين لكم سبيل المخرج، فلم يترك لجاهل حجة، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى الله حسابه والله من وراء حوائجكم، وأستودعكم الله والسلام عليكم. فسألت أبا جعفر (عليه السلام) ممن (1) أتاهم التعزية، فقال: من الله تبارك وتعالى.
20 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن إسماعيل بن عمار، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا رئي في الليلة الظلماء رئي له نور كأنه شقة قمر.
21 - أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن أبي عبدالله الحسين الصغير عن محمد بن إبراهيم الجعفري، عن أحمد بن علي بن محمد بن عبدالله بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبي عبدالله (عليه السلام). ومحمد بن يحيى، عن سعد بن عبدالله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن فضال، عن بعض رجاله، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك، فالصلب صلب أبيك (2) عبدالله بن عبدالمطلب والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب.
وفي رواية ابن فضال وفاطمة بنت أسد.
22 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن
____________
(1) في بعض النسخ (من أبن).
(2) في بعض النسخ (أبيه).
الصفحة 447
دراج، عن زرارة بن أعين، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: يحشر عبدالمطلب يوم القيامة امة واحدة، عليه سيماء الانبياء وهيبة الملوك.
23 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن عبدالرحمن الاصم. عن اليهثم بن واقد، عن مقرن، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن عبدالمطلب أول من قال بالبداء، يبعث يوم القيامة امة وحده، عليه بهاء الملوك وسيماء الانبياء.
24 - بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن عبدالرحمن بن الحجاج، [و] عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر جميعا، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: يبعث عبدالمطلب امة وحده، عليه بهاء الملوك وسيماء الانبياء وذلك أنه أول من قال بالبداء، قال: وكان عبدالمطلب أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رعاته في إبل قد ندت له، فجمعها فأبطأ عليه فأخذ بحلقة باب الكعبة وجعل يقول: " يا رب أتهلك آلك إن تفعل فأمر ما بدا لك " فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالابل وقد وجه عبدالمطلب في كل طريق وفي كل شعب في طلبه وجعل يصيح: " يا رب أتهلك آلك إن تفعل فأمر ما بدا لك " ولما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذه فقبله وقال: يا بني لا وجهتك بعد هذا في شئ فإني أخاف أن تغتال فتقتل.
25 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن محمد ابن حمران، عن أبان بن تغلب قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): لما أن وجه صاحب الحبشة بالخيل ومعهم الفيل ليهدم البيت، مروا بإبل لعبد المطلب فساقوها، فبلغ ذلك عبدالمطلب فأتى صاحب الحبشة فدخل الاذن، فقال: هذا عبدالمطلب بن هاشم قال: وما يشاء؟ قال الترجمان: جاء في إبل له ساقوها، يسألك ردها فقال ملك الحبشة لاصحابه: هذا رئيس قوم وزعيمهم جئت إلى بيته الذي يعبده لاهدمه وهو يسألني إطلاق إبله، أما لو سألني الامساك عن هدمه لفعلت، ردوا عليه إبله، فقال عبد المطلب لترجمانه: ما قال لك الملك؟ فأخبره، فقال عبدالمطلب: أنا رب الابل و لهذا البيت رب يمنعه، فردت إليه إبله وانصرف عبدالمطلب نحو منزله، فمر بالفيل في منصرفه، فقال للفيل: يا محمود فحرك الفيل رأسه، فقال له: أتدري لم جاؤوا بك؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال عبدالمطلب: جاؤوا بك لتهدم بيت ربك
الصفحة 448
أفتراك فاعل ذلك؟ فقال برأسه: لا، فانصرف عبدالمطلب إلى منزله فلما أصبحوا غدوا به لدخول الحرم فأبى وامتنع عليهم، فقال عبدالمطلب لبعض مواليه عند ذلك:
اعل الجبل فانظر ترى شيئا؟، فقال: أرى سوادا من قبل البحر، فقال له: يصيبه بصرك أجمع؟ فقال له: لا ولاوشك أن يصيب، فلما أن قرب، قال: هو طير كثير ولا أعرفه يحمل كل طير في منقاره حصاة مثل حصاة الخذف أو دون حصاة الخذف فقال عبدالمطلب: ورب عبدالمطلب ما تريد إلا القوم، حتى لما صاروا فوق رؤوسهم أجمع ألقت الحصاة فوقعت كل حصاة على هامة رجل فخرجت من دبره فقتلته، فما انفلت منهم إلا رجل واحد يخبر الناس، فلما أن أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته.
26 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن رفاعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان عبدالمطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لاحد غيره وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه، فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه، فقال له عبدالمطلب:
دع ابني فإن الملك قد أتاه.
27 - محمد بن يحيى، عن سعد بن عبدالله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن علي بن المعلى، عن أخيه محمد، عن درست بن أبي منصور، عن علي بن أبي حمزة (1) عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لما ولد النبي (صلى الله عليه وآله) مكث أياما ليس له لبن، فألقاه أبوطالب على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه أياما حتى وقع أبوطالب على حليمة السعدية فدفعه إليها.
28 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الايمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين.
29 - الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد الازدي، عن إسحاق بن جعفر، عن ابيه (عليه السلام) قال: قيل له: إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافرا؟ فقال: كذبوا كيف يكون كافرا وهو يقول:
____________
(1) على بن ابى حمزة سالم البطائنى كذاب متهم ملعون روى الكشى في ذمه اخبارا كثيره.
الصفحة 449
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب وفي حديث آخر كيف يكون أبوطالب كافرا وهو يقول:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعبأ بقيل الاباطل (1) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل 30 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: بينا النبي (صلى الله عليه وآله) في المسجد الحرام وعليه ثياب له جدد فألقى المشركون عليه سلا ناقة فملؤوا ثيابه بها، فدخله من ذلك ما شاء الله فذهب إلى أبي طالب فقال له: يا عم كيف ترى حسبي فيكم؟ فقال له: وما ذا يا ابن أخي؟ فأخبره الخبر، فدعا أبوطالب حمزة وأخذ السيف وقال لحمزة: خذ السلا ثم توجه إلى القوم والنبي معه فأتى قريشا وهم حول الكعبة، فلما رأوه عرفوا الشر في وجهه، ثم قال لحمزة: أمر السلا على سبالهم (2) ففعل ذلك حتى أتى على آخرهم، ثم التفت أبوطالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا ابن أخي هذا حسبك فينا.
1 3 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن إبراهيم بن محمد الاشعري، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لما توفى أبوطالب نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد اخرج من مكة، فليس لك فيها ناصر، وثارت قريش بالنبي (صلى الله عليه وآله)، فخرج هاربا حتى جاء إلى جبل بمكة يقال له الحجون فصار إليه.
32 - علي بن محمد بن عبدالله، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن عبدالله رفعه، عن ابي عبدالله (عليه السلام)، قال: إن أبا طالب أسلم بحساب الجمل؟ قال: بكل لسان.
33 - محمد بن يحيى، عن أحمد وعبدالله ابني محمد بن عيسى، عن أبيهما، عن عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن ابي زياد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: أسلم أبوطالب بحساب الجمل وعقد بيده ثلاثا وستين.
____________
(1) في بعض النسخ (بقول)
(2) في بعض النسخ (على اسبلتهم) والسلا الجلدة التى يكون فيها الولد من الناس و المواشى. وسبال جمع سبلة وهى ما على الشارب من الشعر او مجتمع الشاربين او ما على الذقن إلى طرف اللحية كلها.
الصفحة 450
34 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن علي بن الحزور الغنوي (1)، عن أصبغ بن نباتة الحنظلي قال: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم افتتح البصرة وركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) [ثم] قال: أيها الناس ألا اخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم الله، فقام إليه أبوأيوب الانصاري فقال: بلى يا أمير المؤمنين حدثنا فإنك كنت تشهد ونغيب، فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله سبعة من ولد عبدالمطلب لا ينكر فضلهم إلا كافر ولا يجحد به إلا جاحد، فقام عمار بن ياسر - رحمه الله - فقال، يا أمير المؤمنين سمهم لنا لنعرفهم فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله الرسل وإن أفضل الرسل محمد (صلى الله عليه وآله) وإن أفضل كل امة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي، ألا وإن أفضل الاوصياء وصي محمد عليه وآله السلام، ألا وإن أفضل الخلق بعد الاوصياء الشهداء، ألا وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، وجعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة، لم ينحل أحد من هذه الامة جناحان غيره، شئ كرم الله به محمدا (صلى الله عليه وآله) وشرفه والسبطان الحسن والحسين والمهدي (عليهم السلام)، يجعله الله من شاء منا أهل البيت، ثم تلا هذه الآية " ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (1) ".
35 - محمد بن الحسين، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن علي بن النعمان عن أبي مريم الانصاري. عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: كيف كانت الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله)؟ قال: لما غسله أمير المؤمنين (عليه السلام) وكفنه سجاه ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله ثم وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في وسطهم فقال: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "، فيقول القوم كما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي.
36 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن سيف، عن أبي المغرا، عن عقبة بن بشير، عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): يا علي ادفني في هذا
____________
(1) الحزور بالفتحات وتشديد الواو.
(2) النساء: 70 و 71.
الصفحة 451
المكان وارفع قبري من الارض أربع أصابع ورش عليه من الماء.
37 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: أتى العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بقيع المصلى وأن يؤمهم رجل منهم، فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الناس فقال: يا أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إمام (1) حيا وميتا وقال: إني ادفن في البقعة التي اقبض فيها، ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ثم يخرجون.
38 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن سيف، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قبض النبي (صلى الله عليه وآله) صلت عليه الملائكة والمهاجرون والانصار فوجا فوجا، قال: وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في صحته وسلامته: إنما انزلت هذه الآية علي في الصلاة علي بعد قبض الله لي " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (2) ".
39 - بعض أصحابنا رفعه، عن محمد بن سنان، عن داود بن كثير الرقي قال: قلت لابي عبدالله: ما معنى السلام على رسول الله؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق نبيه ووصيه وابنته وابنيه وجميع الائمة وخلق شيعتهم أخذ عليهم الميثاق وأن يصبروا ويصابروا ويرابطوا وأن يتقوا الله ووعدهم أن يسلم لهم الارض المباركة والحرم الآمن وأن ينزل لهم البيت المعمور، ويظهر لهم السقف المرفوع ويريحهم من عدوهم والارض التي يبدلها الله من السلام ويسلم ما فيها لهم لاشية فيها، قال: لا خصومة فيها لعدوهم وأن يكون لهم فيها ما يحبون وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على جميع الائمة وشيعتهم الميثاق بذلك (3)، وإنما السلام عليه تذكرة نفس الميثاق وتجديد له على الله، لعله أن يعجله عزوجل ويعجل السلام لكم بجميع ما فيه.
40 - ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: اللهم صلى اليه محمد صفيك وخليلك ونجيك المدبر لامرك.
____________
(1) في بعض النسخ (إمامنا).
(2) الاحزاب: 56.
(3) في بعض النسخ (على جميع الامة وشيعتنا الميثاق بذلك).
الصفحة 452
(باب)
* (النهي عن الاشراف على قبر النبي (صلى الله عليه وآله)) *
1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن جعفر بن المثنى الخطيب قال:
كنت بالمدينة وسقف المسجد الذي يشرف على القبر قد سقط والفعلة يصعدون وينزلون ونحن جماعة، فقلت لاصحابنا من منكم له موعد يدخل على أبي عبدالله (عليه السلام) الليلة؟ فقال مهران بن أبي نصر أنا وقال إسماعيل بن عمار الصيرفي أنا، فقلنا لهما: سلاه لنا عن الصعود لنشرف على قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما كان من الغد لقيناهما، فاجتمعنا جميعا، فقال إسماعيل:
قد سألناه لكم عما ذكرتم، فقال: ما أحب لاحد منهم أن يعلو فوقه ولا آمنه ان يرى شيئا يذهب منه بصره أو يراه قائما يصلي أو يراه مع بعض أزواجه (صلى الله عليه وآله) (1).
(باب)
* (مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه) *
ولد أمير المؤمين (عليه السلام) بعد عام الفيل بثلاثين سنة وقتل (عليه السلام) في شهر رمضان لتسع بقين منه ليلة الاحد سنة أربعين من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة، بقي بعد قبض النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة وامه فاطمة بنت أسد بن هشام بن عبد مناف وهو أول هاشمي ولده هاشم مرتين.
1 - الحسين بن محمد، عن محمد بن يحيى الفارسي، عن أبي حنيفة محمد بن يحيى، عن الوليد بن أبان، عن محمد بن عبدالله بن مسكان، عن أبيه قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): إن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشره بمولد النبي (صلى الله عليه وآله) فقال أبوطالب: اصبري سبتا (2) ابشرك بمثله إلا النبوة، وقال: السبت ثلاثون سنة وكان بين رسول الله (صلى الله عليه وآله)
____________
(1) هذا الحديث مجهول وكأن في السند سقطا او ارسالا فان جعفر بن المثنى من اصحاب الرضا (عليه السلام) ولم يدرك زمان الصادق (عليه السلام). (آت)
(2) السبت بالسين المهملة ثم الباء الموحدة ثم التاء المثناة الفوقانية وقد يزاد النون قبل الموحدة: الدهر والبرهة من الزمان وخص في الحديث بالثلاثين (في)
الصفحة 453
وأمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاثون سنة.
2 - علي بن محمد بن عبدالله، عن السياري، عن محمد بن جمهور، عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن فاطمة بنت أسد ام أمير المؤمنين كانت أول امرأة هاجرت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة على قدميها وكانت من أبر الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسمعت رسول الله وهو يقول: إن الناس يحشرون يوم القيامة عراة كما ولدوا فقالت: واسوأتاه، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): فإني أسأل الله أن يبعثك كاسية.
وسمعته يذكر ضغطة القبر، فقالت: واضعفاه، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله):
فإني أسأل الله أن يكفيك ذلك، وقالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما: إني اريد أن أعتق جاريتي هذه، فقال لها: إن فعلت أعتق الله بكل عضو منها عضوا منك من النار، فلما مرضت أوصت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمرت أنى يعتق خادمها، واعتقل لسانها فجعلت تومي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إيماء، فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصيتها.
فبينما هو ذات يوم قاعد إذ أتاه أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يبكي فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما يبكيك؟ فقال: ماتت امي فاطمة، فقال رسول الله: وامي والله وقام مسرعا حتى دخل فنظر إليها وبكى، ثم أمر النساء أن يغسلنها وقال (صلى الله عليه وآله):
إذا فرغتن فلا تحدثن شيئا حتى تعلمنني، فلما فرغن أعلمنه بذلك، فأعطاهن أحد قميصيه الذي يلي جسده وأمرهن أن يكفنها فيه وقال للمسلمين: إذا رأيتموني قد فعلت شيئا لم أفعله قبل ذلك فسلوني لم فعلته، فلما فرغن من غسلها وكفنها دخل (صلى الله عليه وآله) فحمل جنازتها على عاتقه، فلم يزل تحت جنازتها حتى أوردها قبرها، ثم وضعها ودخل القبر فاضطجع فيه، ثم قام فأخذها على يديه حتى وضعها في القبر ثم انكب عليها طويلا يناجيها ويقول لها: ابنك، ابنك [ابنك] ثم خرج وسوى عليها، ثم انكب على قبرها فسمعوه يقول: لا إله إلا الله، اللهم إني أستودعها إياك ثم انصرف، فقال له المسلمون: إنا رأيناك فعلت أشياء لم تفعلها قبل اليوم فقال: اليوم فقدت بر أبي طالب، إن كانت ليكون عندها الشئ فتؤثرني به على نفسها وولدها وإني
الصفحة 454
ذكرت القيامة وأن الناس يحشرون عراة، فقالت: واسوأتاه، فضمنت لها أن يبعثها الله كاسية وذكرت ضغطة القبر فقالت واضعفاه، فضمنت لها أن يكفيها الله ذلك، فكفنتها بقميصي واضطجعت في قبرها لذلك، وانكببت عليها فلقنتها ما تسأل عنه، فإنها سئلت عن ربها فقالت وسئلت عن رسولها فأجابت وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها، فقلت: ابنك، ابنك [ابنك].
3 - بعض أصحابنا، عمن ذكره، عن ابن محبوب، عن عمر بن أبان الكلبي، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: لما ولد رسول الله صلى عليه وآله فتح لآمنه بياض فارس وقصور الشام، فجاءت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين إلى ابي طالب ضاحكة مستبشرة، فاعلمته ما قالت آمنة، فقال لها أبوطالب: وتتعجبين من هذا إنك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره.
4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن البرقي (1)، عن أحمد ابن زيد النيسابوري قال: حدثني عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن عبدالملك بن عمر عن اسيد بن صفوان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ارتج (2) الموضع بالبكاء ودهش الناس كيوم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) و جاء رجل باكيا وهو مسرع مسترجع وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال:
رحمك الله يا أبا الحسن كنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناء وأحوطهم (3) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا (4) وفعلا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الاسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيرا.
قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت
____________
(1) المراد بالبرقى هنا محمد لا ابنه احمد. (آت)
(2) اى اضطرب.
(3) اى اشدهم حياطة وحفظا وصيانة وتعهدا. (في)
(4) الهدى: الطريقة والسيرة. والسمت هيئة اهل الخير (في).
الصفحة 455
منهاج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ هم أصحابه، [و] كنت خليفته حقا، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وصغر الفاسقين (1).
فقمت بالامر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا (2)، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم قنوتا (3) وأقلهم كلاما، وأصوبهم نطقا، وأكبرهم رأيا، وأشجعهم قلبا، وأشدهم يقينا، وأحسنهم عملا، وأعرفهم بالامور.
كنت والله يعسوبا للدين، أولا وآخرا: الاول حين تفرق الناس، والآخر حين فشلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما، إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمرت إذ [ا] اجتمعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ أسرعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا.
كنت على الكافرين عذابا صبا ونهبا، وللمؤمنين عمدا وحصنا، فطرت والله بنعمائها وفزت بحبائها، وأحرزت سوابقها، وذهبت بفضائلها، لم تفلل حجتك، ولم يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك ولم تخر (4).
كنت كالجبل لا تحركه العواصف، وكنت كما قال: امن الناس في صحبتك وذات يدك، وكنت كما قال: ضعيفا في بدنك، قويا في امر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، كبيرا في الارض، جليلا عند المؤمنين، لم يكن لاحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز [ولا لاحد فيك مطمع] ولا لاحد عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شأنك الحق والصدق والرفق، وقولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم فيما فعلت، وقد نهج السبيل، وسهل العسير
____________
(1) في بعض النسخ [وضغن الفاسقين] وهو الحقد. والفشل: الجبن.
(2) التعتعة في الكلام: التردد فيه من حصر أوعى.
(3) في بعض النسخ [اعلاهم قدما وأطيبهم كلاما وأصوبهم منطقا].
(4) من الخرور وهو السقوط وفى بعض النسخ [ولم تخل]. [*]
الصفحة 456
واطفئت النيران، واعتدل بك الدين، وقوي بك الاسلام، فظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وثبت بك الاسلام والمؤمنون، وسبقت سبقا بعيدا، وأتعبت من بعدك تعبا شديدا، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الانام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاه، وسلمنا لله أمره، فوالله لم يصاب المسلمون بمثلك أبدا.
كنت للمؤمنين كهفا وصحنا، وقنة راسيا (1)، وعلى الكافرين غلظة وغيظا، فألحقك الله بنبيه، ولا أحرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، وسكت القوم حتى انقضى كلامه وبكى وبكى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم طلبوه فلم يصادفوه.
5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن صفوان الجمال قال: كنت أنا وعامر وعبدالله بن جذاعة الازدي عند أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
فقال له عامر: جعلت فداك إن الناس يزعمون أن أمير المؤمنين (عليه السلام) دفن بالرحبة؟
قال: لا، قال: فأين دفن؟ قال: إنه لما مات احتمله الحسن (عليه السلام) فأتي به ظهر الكوفة قريبا من النجف يسرة عن الغري يمنة عن الحيرة فدفنه بن زكوات (2) بيض، قال: فلما كان بعد ذهبت إلى الموضع، فتوهمت موضعا منه، ثم أتيته فأخبرته فقال لي: أصبت رحمك الله - ثلاث مرات -.
6 - أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن محمد، عن عبدالله بن سنان قال: أتاني عمر بن يزيد فقال لي: اركب، فركبت معه، فمضينا حتى أتينا منزل حفص الكناسي فاستخرجته فركب معنا، ثم مضينا حتى أتينا الغري فانتهينا إلى قبر، فقال: انزلوا هذا قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقلنا من أين علمت؟ فقال: أتيته مع أبي عبد الله (عليه السلام) حيث كان بالحيرة غير مرة وخبرني أنه قبره.
7 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبدالله بن محمد، عن عبدالله بن القاسم
____________
(1) القنة بالضم والنون: والجبل وراسيا اى ثابتا.
(2) كذا في اكثر نسخ الحديث ولعله اراد التلال الصغيرة التى كانت محيطة بقبره صلوات الله عليه.
شبهها لضيائها وتوقدها عند شروق الشمس عليها لاشتمالها على الحصيات البيض والدرارى بالجمرة الملتهبة كما ذكره اللغويون (آت) أو هو تصحيف (ربوات) جمع ربوة وهو التل. [*]
الصفحة 457
عن عيسى شلقان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) له خؤولة في بني مخزوم وإن شابا منهم أتاه فقال: يا خالي إن أخي مات وقد حزنت عليه حزنا شديدا، قال: فقال له: تشتهي أن تراه؟ قال: بلى، قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول الله صلى اله عليه وآله متزرا بها، فلما انتهى إلى القبر تلملمت (1) شفتاه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: بلى ولكنا متنا على سنة فلان وفلان فانقلبت ألسنتنا.
8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلى بن محمد، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) قام الحسن بن علي (عليه السلام) في مسجد الكوفة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال: أيها الناس إنه قد قبض في هذ الليلة رجل ما سبقه الاولون ولا يدركه الآخرون، إنه كان لصاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل، لا ينثني (2) حتى يفتح الله له والله ما ترك بيضاء ولا حمراء إلا سبعمائة درهم فضلت عن عطائه، أراد أن يشتري بها خادما لاهله. والله لقد قبض في الليلة التي فيها قبض وصي موسى يوشع بن نون والليلة التي عرج فيها بعيسى ابن مريم، والليلة التي نزل فيها القرآن.
9 - علي بن محمد رفعه قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): لما غسل أمير المؤمنين (عليه السلام) نودوا من جانب البيت إن أخذتم مقدم السرير كفيتم مؤخره، وإن أخذتم مؤخره كفيتم مقدمه.
10 - عبدالله بن جعفر وسعد بن عبدالله جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسن بن محبوب،)عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ولدت فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) بعد مبعث رسول الله بخمس سنين وتوفيت ولها ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعون يوما (3).]
____________
(1) في ب ع ضء ل ن س خ [تململت].
(2) لا ينثنى اى لا ينصرف من الشئ بمعنى الرجوع يعنى لا يرجع.
(3) هذه الرواية موجودة ههنا فيما رأيناها من النسخ ومحلها في باب الاتى في مولد الزهراء (عليها السلام) وفى بعض النسخ
جعلت نسخة، والظاهر انها كتبت في الطرف فكتبها النساخ هنا [*]
الصفحة 458
11 - سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن عبدالله بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه سمعه يقول: لما قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) أخرجه الحسن والحسين ورجلان آخران حتى إذا خرجوا من الكوفة تركوها عن أيمانهم (1) ثم أخذوا في الجبانة (2) حتى مروا به إلى الغري فدفنوه وسووا قبره فانصرفوا.
(باب)
* (مولد الزهراء فاطمة (عليها السلام)) *
ولدت فاطمة عليها وعلى بعلها السلام بعد مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمس سنين وتوفيت (عليها السلام) ولها ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعون يوما وبقيت بعد أبيها (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوما.
1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: إن فاطمة (عليها السلام) مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان يأتيها جبرئيل فيحسن عزاء ها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك.
2 - محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر أخيه، أبي الحسن (عليه السلام) قال: إن فاطمة (عليها السلام) صديقة شهيدة وإن بنات الانبياء لا يطمثن.
3 - أحمد بن مهران - رحمه الله - رفعه وأحمد بن إدريس، عن محمد بن عبدالجبار الشيباني قال: حدثني القاسم بن محمد الرزاي قال: حدثنا علي بن محمد الهرمزاني (3)، عن أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: لما قبضت فاطمة (عليها السلام) دفنها أمير المؤمنين سرا وعفا على موضع قبرها، ثم قام فحول وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: السلام عليك
____________
(1) في بعض النسخ [يمينهم].
(2) الجبان والجبانة مشددتين المقبرة.
(3) في بعض النسخ [الهرمزاى]. [*]
الصفحة 459
يا رسول الله عني والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك و المختار الله لها سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي، إلا أن لي في التأسي بسنتك في فرقتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت نفسك بين نحري وصدري، بلى وفي كتاب الله
[لي] أنعم القبول، إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة واخذت الرهينة واخلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله، أما حزني فسرمد و أما ليلي فمسهد وهم لا يبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج (1) سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو وستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها فأحفها السؤال (2) واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين.
سلام مودع لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، واه واها والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاما معكوفا ولاعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تدفن ابنتك سرا وتهضم حقها وتمنع إرثها ولم يتباعد العهد ولم يخلق منك الذكر وإلى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلى الله عليك و(عليها السلام) والرضوان.
4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الرحمن بن سالم، عن المفضل، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): من غسل فاطمة؟ قال: ذاك أمير المؤمنين - وكأني استعظمت ذلك من قوله - فقال: كأنك ضقت بما أخبرتك به؟ قال: فقلت: قد كان ذاك جعلت فداك، قال:
فقال، لا تضيقن فإنها صديقة ولم يكن يغسلها إلا صديق، أما علمت أن مريم لم يغسلها إلا عيسى.
5 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبدالله بن محمد الجعفي، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) قالا: إن فاطمة (عليها السلام) - لما أن كان من أمرهم ما كان - أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثم قالت:
أما والله يا ابن الخطاب لولا أني أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أني ساقسم على الله ثم أجده سريع الاجابة.
6 وبهذا الاسناد، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبدالملك، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما ولدت فاطمة (عليها السلام) أوحى الله إلى ملك فأنطلق به لسان محمد (صلى الله عليه وآله) فسماها فاطمة، ثم قال: إني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث، ثم قال أبوجعفر (عليه السلام): والله لقد فطمها الله بالعلم وعن الطمث في الميثاق.
7 - وبهذا الاسناد، عن صالح بن عقبة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام): يا فاطمة قومي فأخرجي تلك الصحفة (1) فقامت فأخرجت صحفة فيها ثريد وعراق يفور، فأكل النبي (صلى الله عليه وآله) و علي وفاطمة والحسن والحسين ثلاثة عشر يوما، ثم إن ام أيمن رأت الحسين معه شئ فقالت له: من أين لك هذا؟ قال: إنا لنأكله منذ أيام، فأتت ام أيمن فاطمة فقالت: يا فاطمة إذا كان عند ام أيمن شئ فانما هو لفاطمة وولدها وإذا كان عند فاطمة شئ فليس لام أيمن منه شئ؟ فأخرجت لها منه فأكلت منه ام أيمن و نفدت الصحفة، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): أما لولا أنك أطعمتها لاكلت منها أنت و ذريتك إلى أن تقوم الساعة، ثم قال أبوجعفر (عليه السلام) والصحفة عندنا يخرج بها قائمنا (عليه السلام) في زمانه.
8 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن علي، عن علي بن جعفر قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس إذ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجها فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) حبيبي جبرئيل لم أرك في مثل هذه الصورة، قال الملك: لست بجبرئيل يا محمد بعثني الله عزوجل أن ازوج النور
____________
(1) كالقصعة إناء مبسوطة وهى اصغر من القصعة. [*]
الصفحة 461
من النور، قال: من ممن؟ قال: فاطمة من علي، قال: فلما ولى الملك إذا بين كتفيه محمد رسول الله، علي وصيه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): منذ كم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: من قبل أن يخلق الله آدم باثنين وعشرين ألف عام.
9 - علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال:
سألت الرضا (عليه السلام) عن قبر فاطمة (عليها السلام) فقال: دفنت في بيتها فلما زادت بنو امية في المسجد صارت في المسجد.
10 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن الخيبري، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة، ما كان لها كفو على ظهر الارض من آدم ومن دونه.
(باب)
* (مولد الحسن بن علي صلوات الله عليهما) *
ولد الحسن بن علي (عليهما السلام) في شهر رمضان في سنة بدر، سنة اثنين بعد الهجرة.
وروي أنه ولد في سنة ثلاث ومضى (عليه السلام) في شهر صفر في آخره من سنة تسع وأربعين ومضى وهو ابن سبع وأربعين سنة وأشهر. وامه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
1 - محمد بن يحيى، عن الحسين بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، عن الحسين ابن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبدالله بن سنان، عمن سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول لما حضرت الحسن (عليه السلام) الوفاة بكى، فقيل له: يا أبن رسول الله تبكي ومكانك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي أنت به؟ وقد قال فيك ما قال، وقد حججت عشرين حجة ماشيا وقد قاسمت مالك ثلاث مرات حتى النعل بالنعل؟ فقال: إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الاحبة.
2 - سعد بن عبدالله، وعبدالله بن جعفر، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي
[ابن مهزيار]، عن الحسن بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال، قبض الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو ابن سبع وأربعين سنة
الصفحة 462
في عام خمسين، عاش بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعين سنة.
3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي قال: إن جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سمت الحسن بن علي وسمت مولاة له، فأما مولاته فقاءت السم وأما الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط به فمات (1).
4 - محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن القاسم النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن الكناسي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) في بعض عمره (2) ومعه رجل من ولد الزبير كان يقول بإمامته، فنزلوا في منهل من تلك المناهل تحت نخل يابس، قد يبس من العطش، ففرش للحسن (عليه السلام) تحت نخلة وفرش للزبيري بحذاه تحت نخلة اخرى، قال: فقال الزبيري ورفع رأسه:
لو كان في هذا النخل رطب لاكلنا منه، فقال له الحسن: وإنك لتشتهي الرطب؟
فقال الزبيري: نعم قال: فرفع يده إلى السماء فدعا بكلام لم أفهمه، فاخضرت النخلة ثم صارت إلى حالها فأورقت وحملت رطبا، فقال الجمال الذي اكتروا منه سحر والله، قال: فقال الحسن (عليه السلام): ويلك ليس بسحر ولكن دعوة ابن نبي مستجابة قال: فصعدوا إلى النخلة فصرموا ما كان فيه فكفاهم.
5 - أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن رجاله، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الحسن (عليه السلام) قال:
إن لله مدينتين إحداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب، عليهما سور من حديد وعلى كل واحد منهما ألف ألف مصراع وفيها سبعون ألف ألف لغة، يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبها وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما، وما عليهما حجة غيري وغير الحسين أخي.
____________
(1) انتفط وتنفط الجسد: قرح وتجمع بين الجلد واللحم ماء والاسم منه النفطة ومثلها الجدرى ويقال لها بالفارسية (تاول) و (آبله). وفى بعض النسخ [فانتقض به] اى كسره وفى بعضها
[فانتفض به] اى تفرق بعض أحشائه.
(2) بضم العين وفتح الميم جمع عمرة. [*]
الصفحة 463
6 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي بن النعمان، عن صندل، عن أبي اسامة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (صلى الله عليه وآله) إلى مكة سنة ماشيا، فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم، فقال كلا إذا أتينا هذا المنزل فإنه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه، فقال له: بابي انت وامي ما قدمنا منزلا فيه أحد يبيع هذا الدواء فقال له: بلى إنه أمامك دون المنزل فسارا ميلا فإذا هو بالاسود، فقال الحسن (عليه السلام) لمولاه: دونك الرجل، فخذ منه الدهن وأعطه الثمن، فقال الاسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن؟ فقال للحسن بن علي فقال: انطلق بي إليه، فانطلق فأدخله إليه فقال له:
بأبي أنت وامي لم أعلم انك تحتاج إلى هذا أو ترى ذلك ولست آخذ له ثمنا، إنما أنا مولاك ولكن ادع الله أن يرزقني ذكرا سويا يحبكم أهل البيت، فإني خلفت أهلي تمخض، فقال: انطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكرا سويا وهو من شيعتنا.
(باب)
* (مولد الحسين بن على (عليهما السلام)) *
ولد الحسين بن علي (عليهما السلام) في سنة ثلاث وقبض (عليه السلام) في شهر المحرم من سنة إحدى وستين من الهجرة وله سبع وخمسون سنة وأشهر قتله عبيد الله بن زياد لعنه الله في خلافة يزيد بن معاوية لعنه الله وهو على الكوفة وكان على الخيل التي حاربته وقتلته عمر بن سعد لعنه الله بكربلا يوم الاثنين لعشر خلون من المحرم، وامه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
1 - سعد وأحمد بن محمد جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قبض الحسين بن علي (عليه السلام) يوم عاشورا وهو ابن سبع وخمسين سنة.
2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبدالرحمن
الصفحة 464
العرزمي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان بين الحسن والحسين (عليهما السلام) طهر وكان بينهما في الميلاد ستة أشهر وعشرا.
3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، والحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لما حملت فاطمة (عليها السلام) بالحسين جاء جبرئيل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: إن فاطمة (عليها السلام) ستلد غلاما تقتله أمتك من بعدك، فلما حملت فاطمة بالحسين (عليه السلام) كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه، ثم قال أبوعبدالله (عليه السلام): لم تر في الدنيا ام تلد غلاما تكرهه ولكنها كرهته لما علمت أنه سيقتل، قال: وفيه نزلت هذه الآية " ووصينا الانسان بوالديه حسنا حملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (1) ".
4 - محمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمر والزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن جبرئيل (عليه السلام) نزل على محمد (صلى الله عليه وآله) فقال له: يا محمد إن الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة، تقتله امتك من بعدك، فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة، تقتله امتي من بعدي، فعرج ثم هبط (عليه السلام) فقال له مثل ذلك، فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله امتي من بعدي، فعرج جبرئيل (عليه السلام) إلى السماء ثم هبط فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويبشرك بأنه جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية، فقال:
قد رضيت ثم أرسل إلى فاطمة أن الله يبشرني بمولود يولد لك، تقتله أمتي من بعدي فارسلت إليه لا حاجة لي في مولود [مني]، تقتله امتك من بعدك، فأرسل إليها أن الله قد جعل في ذريته الامامة والولاية والوصية فارسلت إليه إن قد رضيت، ف " حملته كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتى " فلولا أنه قال: أصلح لي في ذريتي لكانت ذريته كلهم أئمة.
____________
(1) الاحقاف: 15 وفى المصحف (احسانا) بدل (حسنا). [*]
الصفحة 465
ولم يرضع الحسين من فاطمة (عليها السلام) ولا من انثى، كان يؤتى به النبي فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيها اليومين والثلاث، فنبت لحم الحسين (عليه السلام) من لحم رسول الله ودمه (1) ولم يولد لستة أشهر إلا عيسى ابن مريم (عليه السلام) والحسين بن علي (عليهما السلام).
وفي رواية اخرى، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصه فيجزئ به ولم يرتضع من انثى.
5 - علي بن محمد رفعه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم (2) " قال: حسب فرأى ما يحل بالحسين (عليه السلام)، فقال:
إني سقيم لما يحل بالحسين (عليه السلام).
6 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن علي بن أسباط، عن سيف بن عميرة، عن محمد بن حمران قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): لما كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان، ضجت الملائكة إلى الله بالبكاء وقالت: يفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيك؟ قال: فاقام الله لهم ظل القائم (عليه السلام) وقال: بهذا أنتقم لهذا.
7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميره، عن عبدالملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما نزل النصر على الحسين بن علي حتى كان بين السماء والارض ثم خير: النصر أو لقاء الله، فاختار لقاء الله.
8 - الحسين بن محمد قال: حدثني أبوكريب وأبوسعيد الاشج قال: حدثنا عبدالله بن إدريس، عن أبيه إدريس بن عبدالله الاودي (3) قال: لما قتل الحسين (عليه السلام) أراد القوم أن يوطئوه الخيل، فقالت فضة لزينب: يا سيدتي إن سفينة (4) كسر به في البحر فخرج إلى جزيرة فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهمهم بين يديه حتى وقفه (5) على الطريق والاسد رابض في ناحية (6)، فدعيني أمضي إليه وأعلمه ما هم صانعون غدا، قال: فمضت إليه فقالت: يا أبا الحارث فرفع رأسه ثم قالت:
____________
(1) لسيدنا العلامة الحجة السيد شرف الدين الجبل عاملى اعلى الله مقامه الشريف في هذا الخبر وامثاله نظر راجع اجوبة موسى جار الله ففيه فوائد جمة.
(2) الصافات: 8 8 - 89.
(3) في بعض النسخ [الازدى]
(4) لقب مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكنى ابا ريحانة واسمه قيس وكسر به في البحر يعنى الفلك وابوحارث كنية الاسد. (5) اى هداه (6) الربوض للاسد والشاة والبروك في الابل. (في) [*]
الصفحة 466
أتدري ما يريدون أن يعملوا غدا بأبي عبدالله (عليه السلام)؟ يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره، قال: فمشى حتى وضع يديه على جسد الحسين (عليه السلام)، فأقبلت (الخيل؟) فلما نظروا إليه قال لهم عمر بن سعد - لعنه الله -: فتنة لا تثيروها انصرفوا، فانصرفوا.
9 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن علي، عن يونس، عن مصقلة الطحان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: لما قتل الحسين (عليه السلام) أقامت امرأته الكلبية عليه مأتما وبكت وبكين النساء والخدم حتى جفت دموعهن و ذهبت فبينا هي كذلك إذا رأت جارية من جواريها تبكي ودموعها تسيل فدعتها فقالت لها:
مالك أنت من بيننا تسيل دموعك؟ قالت: إني لما أصابني الجهد شربت شربة سويق قال: فأمرت بالطعام والاسوقة فأكلت وشربت وأطعمت وسقت وقالت: إنما نريد بذلك أن نتقوى على البكاء على الحسين (عليه السلام). قال: واهدي إلى الكلبية جؤنا (1) لتستعين بها على مأتم الحسين (عليه السلام) فلما رأت الجؤن قالت: ما هذه؟ قالوا: هدية أهداها فلان لتستعيني على مأتم الحسين فقالت: لسنا في عرس، فما نصنع بها؟ ثم أمرت بهن فاخرجن من الدار فلما اخرجن من الدار لم يحس لها حس (2) كأنما طرن بين السماء و الارض ولم ير لهن بها بعد خروجهن من الدار أثر.
(باب)
* (مولد علي بن الحسين (عليهما السلام)) *
ولد علي بن الحسين (عليه السلام) في سنة ثمان وثلاثين وقبض في سنة خمس وتسعين وله سبع وخمسون سنة. وامه سلامة (3) بنت يزدجرد بن شهريار بن شيرويه بن كسرى أبرويز وكان يزدجرد آخر ملوك الفرس.
1 - الحسين بن الحسن الحسني - رحمه الله - وعلي بن محمد بن عبدالله جميعا، عن إبراهيم بن إسحاق الاحمر، عن عبدالرحمن بن عبدالله الخزاعي، عن نصر بن
____________
(1) الجؤن كصرد جمع الجؤنة بالضم وهى ظرف للطيب وكأن النساء كن من الجن او كن من الارواح الماضيات تجسدن. (في)
(2) في بعض النسخ [لم يحس لهن حسا]
(3) في بعض النسخ [شهربانويه]. [*]
الصفحة 467
مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما اقدمت بنت يزدجرد على عمر أشرف لها عذارى المدينة وأشرق المسجد بضوئها لما دخلته، فلما نظر إليها عمر غطت وجهها وقالت: " اف بيروج بادا هرمز " (1) فقال عمر: أتشتمني هذه وهم بها، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس ذلك لك، خيرها رجلا من المسلمين واحسبها بفيئه، فخيرها فجاءت حتى وضعت يدها على رأس الحسين (عليه السلام) فقال لها أمير المؤمنين: ما اسمك؟ فقالت: جهان شاه، فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام): بل شهربانويه، ثم قال للحسين: يا أبا عبدالله لتلدن لك منها خير أهل الارض، فولدت علي بن الحسين (عليه السلام) وكان يقال لعلي بن الحسين (عليه السلام): ابن الخيرتين فخيرة الله من العرب هاشم ومن العجم فارس. وروي أن أبا الاسود الدئلي قال فيه:
وإن غلاما بين كسرى وهاشم * لاكرم من نيطت عليه التمائم (2) 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان لعلي بن الحسين (عليه السلام) ناقة، حج عليها اثنتين وعشرين حجة، ما قرعها قرعة قط، قال: فجاءت بعد موته وما شعرنا بها إلا وقد جاء ني بعض خدمنا أو بعض الموالي، فقال: إن الناقة قد خرجت فأتت قبر علي بن الحسين فانبركت عليه، فدلكت بجرانها القبر وهي ترغو، فقلت:
أدركوها أدركوها وجيئوني بها قبل ان يعلموا بها أو يروها، قال: وما كانت رأت القبر قط.
3 - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن حفص بن البختري، عمن ذكره عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما مات أبي علي بن الحسين (عليه السلام) جاءت ناقة له من الرعي حتى ضربت بجرانها القبر وتمرغت عليه، فأمرت بها فردت إلى مرعاها، وإن أبي (عليه السلام) كان يحج عليها ويعتمر ولم يقرعها قرعة قط.
____________
(1) كلام فارسى مشتمل على تأفيف ودعاء على ابيها هرمز تعنى لا كان لهرمز يوم فان ابنته اسرت بصغر ونظر اليها الرجال. (في) وعمرو بن شمر ضعيف جدا كما قاله النجاشى وقال العلامة في الخلاصة: لا اعتمد على شئ مما يرويه.
(2) نيطت علقت: والتمائم جمع التميمة وهى العوذة تعلق في يد الطفل (في). [*]
الصفحة 468
" ابن بابويه (1) ".
4 - الحسين بن محمد بن عامر، عن أحمد بن إسحاق بن سعد، عن سعدان بن مسلم، عن أبي عمارة، عن رجل، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لما كان في الليلة التي وعد فيها علي بن الحسين (عليهما السلام) قال لمحمد (عليه السلام): يا بني ابغني وضوء ا قال: فقمت فجئته بوضوء، قال: لا أبغي هذا فإن فيه شيئا ميتا قال: فخرجت فجئت بالمصباح فإذا فيه فارة ميتة فجئته بوضوء غيره، فقال: يا بني هذه الليلة التي وعدتها، فأوصى بناقته أن يحظر لها حظار وأن يقام لها علف فجعلت فيه. قال: فلم تلبث أن خرجت حتى أتت القبر فضربت بجرانها ورغت وهملت عيناها، فاتي محمد بن علي فقيل له:
إن الناقة قد خرجت فأتاها فقال: صه الآن قومي بارك الله فيك، فلم تفعل، فقال:
وإن كان ليخرج عليها إلى مكة فيعلق السوط على الرحل فما يقرعها حتى يدخل المدينة، قال: وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب فيه الصرر من الدنانير والدراهم حتى يأتي بابا بابا فيقرعه ثم ينيل من يخرج إليه فلما مات علي بن الحسين (عليهما السلام) فقدوا ذاك، فعلموا أن عليا (عليه السلام) كان يفعله.
5 - محمد بن أحمد، عن عمه عبدالله بن الصلت، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن علي بن الحسين (عليهما السلام) لما حضرته الوفاة اغمي عليه ثم فتح عينيه وقرأ إذا وقعت الواقعة، وإنا فتحنا لك و قال: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الارض نتبوء من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين، ثم قبض من ساعته ولم يقل شيئا.
6 - سعد بن عبدالله وعبدالله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قبض علي بن الحسين (عليهما السلام) وهو ابن سبع وخمسين سنة، في عام خمس وتسعين، عاش بعد الحسين خمسا وثلاثين سنة.
____________
(1) هذه اشارة إلى ان هذا الحديث االاتى كان في نسخة الصدوق محمد بن بابويه (ره) اذ تبين بالتتبع ان النسخ التى رواها تلامذة الكلينى بواسطة او بدونها كانت مختلفة فعرض الافاضل المتأخرون عن عصرهم تلك النسخ بعضها على بعض فما كان فيها من اختلاف اشاروا اليه كما مر مرارا (آت). [*]
الصفحة 469
(باب)
* (مولد ابي جعفر محمد بن علي (عليه السلام)) *
ولد أبوجعفر (عليه السلام) سنة سبع وخمسين وقبض (عليه السلام) سنة أربع عشرة ومائة وله سبع وخمسون سنة. ودفن بالبقيع بالمدينة في القبر الذي دفن فيه أبوه علي بن الحسين (عليهما السلام) وكانت امه ام عبدالله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وعلى ذريتم الهادية.
1 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن عبدالله بن أحمد، عن صالح بن مزيد، عن عبدالله بن المغيرة، عن أبي الصباح، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال كانت امي قاعدة عند جدار فتصدع الجدار وسمعنا هدة شديدة، فقالت بيدها: لا وحق المصطفى ما أذن الله لك في السقوط، فبقي معلقا في الجو حتى جازته فتصدق أبي عنها بمائة دينار، قال أبوالصباح: وذكر أبوعبدالله (عليه السلام) جدته ام أبيه يوما فقال: كانت صديقة، لم تدرك في آل الحسن امرأة مثلها.
محمد بن الحسن، عن عبدالله بن أحمد مثله.
2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن تغلب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن جابر بن عبدالله الانصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله (1) وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو معتجر (2) بعمامة سوداء وكان ينادي يا باقر العلم، يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله صلى اله عليه وآله يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقرا، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مر بطريق في ذاك الطريق كتاب فيه محمد بن علي فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: شمائل رسول الله (صلى الله عليه وآله) والذي نفسي بيده، يا غلام ما اسمك؟ قال: اسمي محمد بن علي بن الحسين، فأقبل عليه يقبل رأسه
____________
(1) مات جابر بالمدينة سنة اربع وسبعين وقيل: ثمان وسبعين (آت)
(2) في بعض النسخ [معتم]. [*]
الصفحة 470
ويقول: بأبي أنت وامي أبوك رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرئك السلام ويقول ذلك، قال:
فرجع محمد بن علي بن الحسين إلى أبيه وهو ذعر فأخبره الخبر، فقال له: يا بني وقد فعلها جابر، قال نعم قال: الزم بيتك يا بني فكان جابر يأتيه طرفي النهار و كان أهل المدينة يقولون: واعجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين (عليهما السلام) فكان محمد بن علي يأتيه على وجه الكرامة لصحبته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) قال: فجلس (عليه السلام) يحدثهم عن الله تبارك وتعالى، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا أجرأ من هذا، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أكذب من هذا يحدثنا عمن لم يره، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبدالله، قال فصدقوه وكان جابر بن عبدالله يأتيه فيتعلم منه.
3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مثنى الحناط عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت له: أنتم ورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
قال: نعم، قلت: رسول الله (صلى الله عليه وآله) وارث الانبياء، علم كما علموا؟ قال لي: نعم، قلت: فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرؤا الاكمه والابرص؟ قال: نعم بإذن الله، ثم قال لي: ادن مني يا أبا محمد فدنوت منه فمسح على وجهي وعلى عيني فابصرت الشمس والسماء والارض والبيوت وكل شئ في البلد (2) ثم قال لي:
أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصا؟ قالت: أعود كما كنت، فمسح على عيني فعدت كما كنت، قال: فحدثت ابن أبي عمير بهذا، فقال أشهد أن هذا حق كما أن النهار حق.
4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن علي، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كنت عنده يوما إذ وقع
____________
(1) هذا ينافى ما مر من تاريخى وفاتهما إذ وفاة على بن الحسين (عليه السلام) كانت في عام خمس أو اربع وتسعين ووفاة جابر على كل الاقوال كانت قبل الثمانين. (آت)
(2) في بعض النسخ [في الدار]. [*]
الصفحة 471
زوج ورشان على الحائط وهدلا هديلهما (1) فرد أبوجعفر (عليه السلام) عليهما كلامهما ساعة، ثم نهضا، فلما طارا على الحائط هدل الذكر على الانثى ساعة، ثم نهضا فقلت: جعلت فداك ما هذا الطير؟ قال: يا ابن مسلم كل شئ خلقه الله من طير أو بهيمة أو شئ فيه روح فهو أسمع لنا وأطوع من ابن آدم إن هذا الورشان ظن بامرأته فحلفت له ما فعلت فقالت: ترضى بمحمد بن علي، فرضيا بي فأخبرته أنه لها ظالم فصدقها.
5 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن صالح بن حمزة عن أبيه، عن أبي بكر الحضرمي قال: لما حمل أبوجعفر (عليه السلام) إلى الشام إلى هشام ابن عبدالملك وصار ببابه قال لاصحابه ومن كان بحضرته من بني امية: إذا رأيتموني قد وبخت محمد بن علي ثم رأيتموني قد سكت فليقبل عليه كل رجل منكم فليوبخه ثم أمر أن يؤذن له، فلما دخل عليه أبوجعفر (عليه السلام) قال بيده: السلام عليكم فعمهم جميعا بالسلام ثم جلس فازداد هشام عليه حنقا بتركه السلام عليه بالخلافة وجلوسه بغير إذن، فأقبل يوبخه ويقول فيما يقول له: يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين ودعا إلى نفسه وزعم أنه الامام سفها وقلة علم، ووبخه بما أراد أن يوبخه فلما سكت أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبخه حتى انقضى آخرهم، فلما سكت القوم نهض (عليه السلام) قائما ثم قال: أيها الناس أين تذهبون وأين يراد بكم، بنا هدى الله أولكم وبنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملك معجل فإن لنا ملكا مؤجلا وليس بعد ملكنا ملك لانا أهل العاقبة يقول الله عزوجل: " والعاقبة للمتقين (2) " فأمر به إلى الحبس فلما صار إلى الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل الا ترشفه (3) وحن إليه، فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال: يا أمير المؤمنين إني خائف عليك من أهل الشام أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا، ثم أخبره بخبره، فأمر به فحمل على البريد هو وأصحابه ليردوا إلى المدينة وأمر أن لا يخرج لهم الاسواق وحال بينهم وبين الطعام والشراب فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما ولا شرابا حتى انتهوا إلى مدين، فاغلق باب المدينة دونهم فشكا أصحابه
____________
(1) الهديل صوت الحمام او خاص بوحشيها. (آت)
(2) في سورة الاعراف - 125 و استعينوا بالله واصبروا ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. أو في سورة القصص: 83.
(3) ترشفه اى مصه وهو كناية عن المبالغة في اخذ العلم عنه. [*]
الصفحة 472
الجوع والعطش قال: فصعد جبلا ليشرف عليهم فقال بأعلى صوته: يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقية الله، يقول الله: " بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (1) " قال: وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال لهم: يا قوم هذه والله دعوة شعيب النبي والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالاسواق لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم فصدقوني في هذه المرة وأطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون فإني لكم ناصح، قال:
فبادروا فأخرجوا إلى محمد بن علي وأصحابه بالاسواق، فبلغ هشام بن عبدالملك خبر الشيخ فبعث إليه فحمله فلم يدر ما صنع به.
6 - سعد بن عبدالله والحميري جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي ابن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قبض محمد بن علي الباقر وهو ابن سبع وخمسين سنة، في عام أربع عشرة ومائة، عاش بعد علي بن الحسين (عليهما السلام) تسع عشرة سنة وشهرين.
(باب)
* (مولد ابي عبدالله جعفر بن محمد (عليه السلام)) *
ولد أبوعبدالله (عليه السلام) سنة ثلاث وثمانين ومضى في شوال من سنة ثمان واربعين ومائة وله خمس وستون سنة ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده والحسن ابن علي (عليهم السلام) وامه ام فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وامها أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر.
1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبدالله بن أحمد، عن إبراهيم بن الحسن قال: حدثني وهب بن حفص، عن إسحاق بن جرير قال: أبوعبدالله (عليه السلام) كان سعيد ابن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وأبوخالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: وكانت امي ممن آمنت واتقت وأحسنت والله يحب المحسنين، قال: وقالت امي:
قال أبي: يا ام فروة إني لادعو الله لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة ألف مرة، لانا نحن فيما ينوبنا من الرزايا نصبر على ما نعلم من الثواب وهم يصبرون على ما لا يعلمون.
____________
(1) هود: 87. [*]
الصفحة 473
2 - بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن سليمان بن سماعة، عن عبدالله بن القاسم، عن المفضل بن عمر قال وجه أبوجعفر المنصور إلى الحسن بن زيد وهو واليه على الحرمين أن أحرق على جعفر بن محمد داره، فألقى النار في دار أبي عبدالله الله فأخذت النار في الباب والدهليز، فخرج أبوعبدالله (عليه السلام) يتخطى النار ويمشي فيها ويقول: أنا ابن أعراق الثرى أنا ابن إبراهيم خليل الله (عليه السلام).
3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن البرقي، عن أبيه، عمن ذكره عن رفيد مولى يزيد بن عمرو بن هبيرة (1) قال: سخط علي ابن هبيرة وحلف علي ليقتلني فهربت منه وعذت بأبي عبدالله (عليه السلام) فأعلمته خبري، فقال لي: انصرف واقرأه مني السلام وقل له: إني قد آجرت عليك مولاك رفيدا فلا تهجه بسوء، فقلت له: جعلت فداك شامي خبيث الرأي فقال: اذهب إليه كما أقول لك، فأقبلت فلما كنت في بعض البوادي استقبلني أعرابي، فقال: أين تذهب إني أرى وجه مقتول، ثم قال لي: أخرج يدك، ففعلت فقال: يد مقتول، ثم قال لي: أبرز رجلك فأبرزت رجلي، فقال: رجل مقتول، ثم قال لي: أبرز جسدك؟ ففعلت، فقال: جسد مقتول، ثم قال لي: أخرج لسانك، ففعلت، فقال لي: امض، فلا بأس عليك فإن في لسانك رسالة لو أتيت بها الجبال الرواسي لانقادت لك، قال: فجئت حتى وقفت على باب ابن هبيرة، فاستأذنت، فلما دخلت عليه قال: أتتك بحائن رجلاه يا غلام النطع والسيف، ثم أمر بي فكتفت وشد رأسي وقام علي السياف ليضرب عنقي فقلت: أيها الامير لم تظفر بي عنوة وإنما جئتك من ذات نفسي وههنا أمر أذكره لك ثم أنت وشأنك، فقال: قل، فقلت: أخلني فأمر من حضر فخرجوا فقلت له:
جعفر بن محمد يقرئك السلام ويقول لك: قد آجرت عليك مولاك رفيدا فلا تهجه بسوء فقال: والله لقد قال لك جعفر [بن محمد] هذه المقالة وأقرأني السلام؟! فحلفت له فردها علي ثلاثا ثم حل أكتافي، ثم قال: لا يقنعني منك حتى تفعل لي ما فعلت بك، قلت: ما تنطلق يدي بذاك ولا تطيب به نفسي، فقال: والله ما يقنعني إلا ذاك، ففعلت به كما فعل بي وأطلقته فناولني خاتمه وقال: اموري في يدك فدبر فيها ما شئت.
____________
(1) كذا والصحيح عمر بن يزيد بن هبيرة كان والى العراق من قبل مروان بن محمد. [*]
الصفحة 474
4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبدالعزيز، عن الخيبري عن يونس بن ظبيان ومفضل بن عمر وأبي سلمة السراج والحسين بن ثوير بن أبي فاختة قالوا كنا عند أبي عبدالله (عليه السلام) فقال: عندنا خزائن الارض ومفاتيحها ولو شئت أن أقول بإحدى رجلي أخرجي ما فيك من الذهب لاخرجت، قال: ثم قال بإحدى رجليه فخطها في الارض خطا فانفرجت الارض ثم قال بيده: فأخرج سبيكة ذهب قدر شبر ثم قال: انظروا حسنا، فنظرنا فإذا سبائك كثيرة بعضها على بعض يتلالا فقال له بعضنا: جعلت فداك اعطيتم ما اعطيتم وشيعتكم محتاجون؟ قال: فقال: إن الله سيجمع لنا ولشيعتنا الدنيا والآخرة ويدخلهم جنات النعيم ويدخل عدونا الجحيم.
5 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن بعض أصحابه، عن أبي بصير قال:
كان لي جار يتبع السلطان فأصاب مالا، فأعد قيانا وكان يجمع الجميع إليه و يشرب المسكر ويؤذيني، فشكوته إلى نفسه غير مرة، فلم ينته فلما أن ألححت عليه فقال لي: يا هذا أنا رجل مبتلى وأنت رجل معافى، فلو عرضتني لصاحبك رجوت أن ينقذني الله بك، فوقع ذلك له في قلبي فلما صرت إلى أبي عبدالله (عليه السلام) ذكرت له حاله فقال لي: إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك فقل له: يقول لك جعفر بن محمد: دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة، فلما رجعت إلى الكوفة أتاني فيمن أتى، فاحتبسته عندي حتى خلا منزلي ثم قلت له: يا هذا إني ذكرتك لابي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) فقال لي: إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك فقل له: يقول لك جعفر بن محمد:
دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة، قال: فبكى ثم قال لي: الله لقد قال لك أبوعبدالله هذا؟ قال: فحلفت له أنه قد قال لي ما قلت، فقال لي: حسبك ومضى، فلما كان بعد أيام بعث إلي فدعاني وإذا هو خلف داره عريان، فقال لي: يا أبا بصير لا والله ما بقي في منزلي شئ إلا وقد أخرجته وأنا كما ترى، قال: فمضيت إلى إخواننا فجمعت له ما كسوته به ثم لم تأت عليه أيام يسيرة حتى بعث إلي أني عليل فأتني، فجعلت أختلف إليه واعالجه حتى نزل به الموت فكنت عنده جالسا وهو يجود بنفسه، فغشي عليه غشية ثم أفاق، فقال لي: يا أبا بصير قد وفى صاحبك لنا، ثم قبض - رحمة الله عليه - فلما حججت أتيت أبا عبدالله (عليه السلام) فاستأذنت عليه فلما دخلت قال لي ابتداء من داخل البيت وإحدى
الصفحة 475
رجلي في الصحن والاخرى في دهليز داره: يا أبا بصير! قد وفينا لصاحبك.
6 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن جعفر بن محمد بن الاشعث قال: قال لي: أتدري ما كان سبب دخولنا في هذا الامر و معرفتنا به؟ وما كان عندنا منه ذكر ولا معرفة شئ مما عند الناس، قال: قلت له: ما ذاك؟ قال: إن أبا جعفر - يعني أبا الدوانيق - قال لابي، محمد بن الاشعث: يا محمد ابغ لي رجلا له عقل يؤدي عني فقال له أبي: قد أصبته لك هذا فلان ابن مهاجر خالي قال: فأتني به، قال: فأتيته بخالي فقال له أبوجعفر: يا ابن مهاجر خذ هذا المال وأت المدينة وأت عبدالله بن الحسن بن الحسن وعدة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمد فقل لهم: إني رجل غريب من أهل خراسان وبها شيعة من شيعتكم وجهوا إليكم بهذا المال، وادفع إلى كل واحد منهم على شرط كذا وكذا، فإذا قبضوا المال فقل:
إني رسول واحب أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم، فأخذ المال وأتى المدينة فرجع إلى أبي الدوانيق ومحمد بن الاشعث عنده، فقال له أبوالدوانيق ما وراءك قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم بقبضهم المال خلا جعفر بن محمد، فإني أتيته وهو يصلي في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فجلست خلفه وقلت حتى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لاصحابه، فعجل وانصرف، ثم التفت إلي فقال: يا هذا اتق الله ولا تغر أهل بيت محمد فإنهم قريب العهد بدولة (1) بني مروان وكلهم محتاج، فقلت: وما ذاك؟ أصلحك الله قال: فأدنى رأسه مني وأخبرني بجميع ما جرى بيني وبينك حتى كأنه كان ثالثنا قال: فقال له أبوجعفر: يا أبن مهاجر! اعلم أنه ليس من أهل بيت نبوة إلا وفيه محدث وإن جعفر بن محمد محدثنا اليوم، وكانت هذه الدلالة سبب قولنا بهذه المقالة.
7 - سعد بن عبدالله وعبدالله بن جعفر جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: قبض أبوعبدالله جعفر بن محمد (عليهما السلام) وهو ابن خمس وستين سنة، في عام ثمان وأربعين ومائة وعاش بعد أبي جعفر (عليه السلام) أربعا وثلاثين سنة.
8 - سعد بن عبدالله، عن أبي جعفر محمد بن عمر بن سعيد، عن يونس بن يعقوب
____________
(1) في بعض النسخ [من دولة]. [*]
الصفحة 476
عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال: سمعته يقول: أنا كفنت أبي في ثوبين شطويين (1) كان يحرم فيهما وفي قميص من قمصه وفي عمامة كانت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وفي برد اشتراه بأربعين دينارا.
(باب)
* (مولد أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)) *
ولد أبوالحسن موسى (عليه السلام) بالابواء سنة ثمان وعشرين ومائة وقال بعضهم.
تسع وعشرين ومائة وقبض (عليه السلام) لست خلون من رجب من سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن أربع أو خمس وخمسين سنة وقبض (عليه السلام) ببغداد في حبس السندي بن شاهك وكان هارون حمله من المدينة لعشر ليال بقين من شوال سنة تسع وسبعين ومائة وقد قدم هارون المدينة منصرفه من عمرة شهر رمضان، ثم شخص هارون إلى الحج وحمله معه، ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر، ثم أشخصه إلى بغداد، فحبسه عند السندي بن شاهك فتوفي (عليه السلام) في حبسه ودفن ببغداد في مقبرة قريش وامه ام ولد يقال لها: حميدة.
1 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن السندي القمي قال: حدثنا عيسى بن عبدالرحمن، عن أبيه قال: دخل ابن عكاشة بن محصن الاسدي على أبي جعفر وكان أبوعبدالله (عليه السلام) قائما عنده فقدم إليه عنبا، فقال: حبة حبة يأكله الشيخ الكبير والصبي الصغير وثلاثة وأربعة ياكله من يظن أنه لا يشبع وكله حبتين حبتين، فإنه يستحب فقال لابي جعفر (عليه السلام): لاي شئ لا تزوج أبا عبدالله فقد أدرك التزويج؟ قال وبين يديه صرة مختومة فقال: أما إنه سيجيئ نخاس من أهل بربر فينزل دار ميمون، فنشتري له بهذه الصرة جارية، قال: فأتى لذلك ما أتى، فدخلنا يوما على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: ألا اخبركم عن النخاس الذي ذكرته لكم قد قدم، فاذهبوا فاشتروا بهذه الصرة منه جارية، قال: فأتينا النخاس فقال: قد بعت ما كان عندي إلا جاريتين مريضتين إحداهما أمثل من الاخرى، قلنا: فأخرجهما حتى ننظر إليهما فأخرجهما، فقلنا: بكم تبيعنا هذه المتماثلة قال: بسبعين دينارا
____________
(1) شطا اسم قرية بناحية مصر تنسب اليها الثياب. [*]
الصفحة 477
قلنا أحسن قال: لا أنقص من سبعين دينار، قلنا له نشتريها منك بهذه الصرة ما بلغت ولا ندري ما فيها وكان عنده رجل أبيض الرأس واللحية قال: فكوا وزنوا، فقال النخاس: لا تفكوا فانها إن نقصت حبة من سبعين دينارا لم ابايعكم فقال الشيخ:
ادنوا، فدنونا وفككنا الخاتم ووزنا الدنانير فإذا هي سبعون دينارا لا تزيد ولا تنقص فأخذنا الجارية فأدخلناها على أبي جعفر (عليه السلام) وجعفر قائم عنده فأخبرنا أبا جعفر بما كان، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لها: ما اسمك؟ قالت: حميدة، فقال حميدة في الدنيا، محمودة في الآخرة، أخبريني عنك أبكر أنت أم ثيب؟ قالت: بكر قال:
وكيف ولا يقع في أيدي النخاسين شئ إلا أفسدوه، فقالت: قد كان يجيئني فيقعد مني مقعد الرجل من المرأة فيسلط الله عليه رجلا أبيض الرأس واللحية فلا يزال يلطمه حتى يقوم عني، ففعل بي مرارا وفعل الشيخ به مرارا فقال: يا جعفر خذها إليك فولدت خير أهل الارض موسى بن جعفر (عليه السلام).
2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن عبدالله بن أحمد، عن علي بن الحسين، عن ابن سنان، عن سابق بن الوليد، عن المعلى بن خنيس أن أبا عبدالله (عليه السلام) قال: حميدة مصفاة من الادناس كسبيكة الذهب، ما زالت الاملاك تحرسها حتى اديت إلي كرامة من الله لي والحجة من بعدي.
3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن أبي قتادة القمي، عن أبي خالد الزبالي قال: لما اقدم بأبي الحسن موسى (عليه السلام) على المهدي القدمة الاولى نزل زبالة فكنت احدثه، فرآني مغموما فقال لي: يا أبا خالد مالي أراك مغموما، فقلت: وكيف لا أغتم وأنت تحمل إلى هذه الطاغية ولا أدري ما يحدث فيك، فقال: ليس علي بأس إذا كان شهر كذا وكذا ويوم كذا فوافقني في أول الميل، فما كان لي هم إلا إحصاء الشهور والايام حتى كان ذلك اليوم فوافيت الميل فما زلت عنده حتى كادت الشمس أن تغيب ووسوس الشيطان في صدري وتخوفت أن أشك فيما قال، فبينا أنا كذلك إذا نظرت إلى سواد قد أقبل من ناحية العراق، فاستقبلتهم فإذا أبوالحسن (عليه السلام) أمام القطار على بغلة، فقال:
الصفحة 478
إيه (1) يا أبا خالد، قلت: لبيك يا ابن رسول الله، فقال لا تشكن، ود الشيطان أنك شككت، فقلت الحمد لله الذي خلصك منهم فقال: إن لي إليهم عودة لا أتخلص منهم.
4 - أحمد بن مهران وعلي بن إبراهيم جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم قال: كنت عند أبي الحسن موسى (عليه السلام) إذ أتاه رجل نصراني ونحن معه بالعريض (2) فقال له النصراني: أتيتك من بلد بعيد وسفر شاق وسألت ربي منذ ثلاثين ستة أن يرشدني إلى خير الاديان وإلى خير العباد وأعلمهم و أتاني آت في النوم فوصف لي رجلا بعليا دمشق، فانطلقت حتى أتيته فكلمته، فقال:
أنا أعلم أهل ديني وغيري أعلم مني، فقلت: أرشدني إلى من هو أعلم منك فإني لا أستعظم السفر ولا تبعد علي الشقة ولقد قرأت الانجيل كلها ومزامير داود وقرأت اربعة أسفار من التوراة وقرأت ظاهر القرآن حتى استوعبته كله، فقال لي العالم:
إن كنت تريد علم النصرانية فأنا اعلم العرب والعجم بها وإن كنت تريد علم اليهود فباطي بن شرحبيل السامري أعلم الناس بها اليوم، وإن كنت تريد علم الاسلام و علم التوراة وعلم الانجيل وعلم الزبور وكتاب هود وكلما انزل على نبي من الانبياء في دهرك ودهر غيرك وما انزل من السماء من خبر فعلمه أحد أو لم يعلم به احد، فيه تبيان كل شئ وشفاء للعالمين وروح لمن استروح إليه وبصيرة لمن أراد الله به خيرا وانس إلى الحق فارشدك إليه، فأته ولو مشيا على رجليك، فإن لم تقدر فحبوا (3) على ركبتيك، فإن لم تقدر فزحفا على إستك، فإن لم تقدر فعلى وجهك، فقلت: لا بل أنا أقدر على المسير في البدن والمال، قال: فانطلق من فورك حتى تأتي يثرب، فقلت: لا أعرف يثرب، قال: فانطلق حتى تأتي مدينة النبي (صلى الله عليه وآله) الذي بعث في العرب وهو النبي العربي الهاشمي فإذا دخلتها فسل عن بني غنم بن مالك بن النجار وهو عند باب مسجدها وأظهر بزة (4) النصرانية وحليتها فإن واليها يتشدد عليهم والخليفة أشد، ثم تسأل عن بني عمرو بن مبذول وهو ببقيع الزبير، ثم تسأل عن موسى بن جعفر وأين منزله وأين هو؟ مسافر أم حاضر فإن كان مسافرا فالحقه فإن سفره أقرب مما ضربت إليه
____________
(1) في اكثر النسخ [إبهمن].
(2) عريض كزبير واد بالمدينة (في).
(3) في بعض النسخ [ولو جثوا].
(4) البزة بالكسر: الهيئة. [*]
الصفحة 479
ثم أعلمه أن مطران عليا الغوطة (1) - غوطة دمشق - هو الذي أرشدني إليك وهو يقرئك السلام كثيرا ويقول لك: إني لاكثر مناجات ربي أن يجعل إسلامي على يديك، فقص هذه القصة وهو قائم معتمد على عصاه، ثم قال: إن أذنت لي يا سيدي كفرت لك (2) وجلست فقال: آذن لك ان تجلس ولا آذن لك أن تكفر، فجلس ثم ألقى عنه برنسه ثم قال:
جعلت فداك تأذن لي في الكلام؟ قال: نعم ما جئت إلا له، فقال له النصراني: اردد على صحابي السلام أو ما ترد السلام، فقال أبوالحسن (عليه السلام): على صاحبك أن هداه الله فأما التسليم فذاك إذا صار في ديننا، فقال النصراني: إني أسألك - أصلحك الله - قال:
سل، قال: أخبرني عن كتاب الله تعالى الذي انزل على محمد ونطق به، ثم وصفه بما وصفه به، فقال: " حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم (3) " ما تفسيرها في الباطن؟ فقال: أما حم فهو محمد (صلى الله عليه وآله) وهو في كتاب هود الذي انزل عليه وهو منقوص الحروف وأما " الكتاب المبين " فهو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأما الليلة ففاطمة وأما قوله: " فيها يفرق كل أمر حكيم " يقول: يخرج منها خير كثير فرجل حكيم ورجل حكيم فقال الرجل: صف لي الاول والآخر من هؤلاء الرجال، فقال: إن الصفات تشتبه ولكن الثالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله وإنه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم، إن لم تغيروا وتحرفوا وتكفروا وقديما ما فعلتم، قال له النصراني: إني لا أستر عنك ما علمت ولا أكذبك وأنت تعلم ما أقول في صدق ما أقول وكذبه والله لقد أعطاك الله من فضله، وقسم عليك من نعمه ما لا يخطره الخاطرون ولا يستره الساترون ولا يكذب فيه من كذب، فقولي لك في ذلك الحق كما ذكرت، فهو كما ذكرت (4)، فقال له أبوإبراهيم (عليه السلام): اعجلك أيضا خبرا لا يعرفه إلا قليل ممن قرأ الكتب، أخبرني ما اسم ام مريم وأي يوم نفخت فيه مريم ولكم من ساعة من النهار، وأي يوم وضعت مريم فيه عيسى (عليه السلام) ولكم من ساعة من النهار؟ ققال النصراني:
لا أدري، فقال أبوإبراهيم (عليه السلام): أما أم مريم فاسمها مرثا وهي وهيبة بالعربية وأما
____________
(1) الغوطة بالضم موضع بالشام كثير الماء والشجر وهو غوطة دمشق.
(2) التكفير وضع اليدين على الصدر
(3) الدخان: 1 4.
(4) في بعض النسخ [كلما ذكرت]. [*]
الصفحة 480
اليوم الذي حملت فيه مريم فهو يوم الجمعة للزوال وهو اليوم الذي هبط فيه الروح الامين وليس للمسلمين عيد كان أولى منه، عظمه الله تبارك وتعالى وعظمه محمد (صلى الله عليه وآله)، فأمر أن يجعله عيدا فهو يوم الجمعة وأما اليوم الذي ولدت فيه مريم فهو يوم الثلثاء، لاربع ساعات ونصف من النهار والنهر الذي ولدت عليه مريم عيسى (عليه السلام) هل تعرفه؟ قال:
لا، قال: هو الفرات وعليه شجر النخل والكرم وليس يساوي بالفرات شئ للكروم والنخيل، فأما اليوم الذي حجبت فيه لسانها ونادى قيدوس ولده وأشياعه فأعانوه و أخرجوا آل عمران لينظروا إلى مريم، فقالوا لها ما قص الله عليك في كتابه وعلينا في كتابه، فهل فهمته؟ قال: نعم وقرأته اليوم الاحدث، قال: إذن لا تقوم من مجلسك حتى يهديك الله، قال النصراني: ما كان اسم امي بالسريانية وبالعربية؟ فقال: كان اسم امك بالسريانية عنقالية وعنقورة كان اسم جدتك لابيك وأما اسم امك بالعربية فهو مية وأما اسم أبيك فعبد المسيح وهو عبدالله بالعربية وليس للمسيح عبد، قال:
صدقت وبررت، فما كان اسم جدي؟ قال: كان اسم جدك جبرئيل وهو عبدالرحمن سميته في مجلسي هذا قال: أما إنه كان مسلما؟ قال أبوإبراهيم (عليه السلام): نعم وقتل شهيدا، دخلت عليه أجناد فقتلوه في منزله غيلة والاجناد من أهل الشام، قال: فما كان اسمي قبل كنيتي؟ قال: كان اسمك عبد الصليب، قال: فما تسميني؟ قال اسميك عبدالله، قال: فإني آمنت بالله العظيم وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فردا صمدا، ليس كما تصفه النصارى وليس كما تصفه اليهود ولا جنس من أجناس الشرك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق فابان به لاهله وعمي المبطلون وأنه كان رسول الله إلى الناس كافة إلى الاحمر والاسود كل فيه مشترك فأبصر من أبصر واهتدى من اهتدى وعمي المبطلون وضل عنهم ما كانوا يدعون، وأشهد أن وليه نطق بحكمته وأن من كان قبله من الانبياء نطقوا بالحكمة البالغة وتوازوا على الطاعة لله وفارقوا الباطل وأهله والرجس وأهله وهجروا سبيل الضلالة ونصرهم الله بالطاعة له وعصمهم من المعصية، فهم لله أولياء وللدين أنصار، يحثون على الخير ويأمرون به، آمنت بالصغير منهم والكبير ومن ذكرت منهم ومن لم أذكر وآمنت بالله تبارك وتعالى رب العالمين، ثم قطع زناره
الصفحة 481
وقطع صليبا كان في عنقه من ذهب، ثم قال: مرني حتى أضع صدقتي حيث تأمرني فقال: ههنا أخ لك كان على مثل دينك وهو رجل من قومك من قيس بن ثعلبة وهو في نعمة كنعمتك فتواسيا وتجاورا ولست أدع أن ارود عليكما حقكما في الاسلام فقال: والله - أصلحك الله - إني لغني ولقد تركت ثلاثمائة طروق بين فرس وفرسة و تركت ألف بعير، فحقك فيها أوفر من حقي، فقال له: أنت مولى الله ورسوله وأنت في حد نسبك على حالك، فحسن إسلامه وتزوج امرأة من بني فهر وأصدقها أبوإبراهيم (عليه السلام) خمسين دينارا من صدقة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأخدمه وبوأه وأقام حتى اخرج أبوإبراهيم (عليه السلام) (2)، فمات بعد مخرجه بثمان وعشرين ليلة.
5 - علي بن إبراهيم وأحمد بن مهران جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر قال: كنت عند أبي إبراهيم (عليه السلام) وأتاه رجل من أهل نجران اليمن من الرهبان ومعه راهبة، فاستأذن لهما الفضل بن سوار، فقال له: إذا كان غدا فأت بهما عند بئر ام خير، قال: فوافينا من الغد فوجدنا القوم قد وافوا فأمر بخصفة بواري، ثم جلس وجلسوا فبدأت الراهبة بالمسائل فسألت عن مسائل كثيرة، كل ذلك يجيبها، وسألها أبوإبراهيم (عليه السلام) عن أشياء، لم يكن عندها فيه شئ، ثم أسلمت ثم أقبل الراهب يسأله فكان يجيبه في كل ما يسأله، فقال الراهب: قد كنت قويا على ديني وما خلفت أحدا من النصارى في الارض يبلغ مبلغي في العلم ولقد سمعت برجل في الهند، إذا شاء حج إلى بيت المقدس في يوم وليلة، ثم رجع إلى منزله بارض الهند فسألت عنه بأي أرض هو؟ فقيل لي: إنه بسبذان (3) وسألت الذي اخبرني فقال: هو علم الاسم الذي ظفر به آصف صاحب سليمان لما أتى بعرش سبأ وهو الذي ذكره الله لكم في كتابكم ولنا معشر الاديان في كتبنا، فقال له أبوإبراهيم (عليه السلام): فكم لله من اسم لا يرد؟ فقال الراهب: الاسماء كثيرة فأما المحتوم منها الذي لا يرد سائله فسبعة، فقال له أبوالحسن (عليه السلام): فأخبرني عما تحفظ منها، قال الراهب لا والله الذي أنزل التوراة على موسى وجعل عيسى عبرة للعالمين وفتنة لشكر اولي
____________
(1) الطروق: الضراب
(2) يعنى إلى بغداد بامر الخليفة.
(3) في بعض النسخ [بسندان] وكذا فيما يأتى. [*]
الصفحة 482
الالباب وجعل محمدا بركة ورحمة وجعل عليا (عليه السلام) عبرة وبصيرة وجعل الاوصياء من نسله ونسل محمد ما أدري، ولو دريت ما احتجت فيه إلى كلامك ولا جئتك ولا سألتك، فقال له أبوإبراهيم (عليه السلام): عد إلى حديث الهندي، فقال له الراهب: سمعت بهذه الاسماء ولا أدري ما بطانتها ولا شرايحها ولا أدري ما هي ولا كيف هي ولا بدعائها، فانطلقت حتى قدمت سبذان الهند، فسألت عن الرجل، فقيل لي: إنه بنى ديرا في جبل فصار لا يخرج ولا يرى إلا في كل سنة مرتين وزعمت الهند أن الله فجر له عينا في ديره وزعمت الهند انه يزرع له من غير زرع يلقيه ويحرث له من غير حرث يعمله، فانتهيت إلى بابه فأقمت ثلاثا، لا أدق الباب ولا اعالج الباب، فلما كان اليوم الرابع فتح الله الباب وجاءت بقرة عليها حطب تجر ضرعها، يكاد يخرج ما في ضرعها من اللبن فدفعت الباب فانفتخ فتبعتها ودخلت، فوجدت الرجل قائما ينظر إلى السماء فيبكي وينظر إلى الارض فيبكي وينظر إلى الجبال فيبكي، فقلت: سبحان الله ما أقل ضربك في دهرنا هذا، فقال لي: والله ما أنا إلا حسنة من حسنات رجل خلفته وراء ظهرك، فقلت له: اخبرت أن عندك اسما من أسماء الله تبلغ به في كل يوم وليلة بيت المقدس وترجع إلى بيتك، فقال لي: وهل تعرف بيت المقدس؟ قلت: لا أعرف إلا بيت المقدس الذي بالشام؟ قال: ليس بيت المقدس ولكنه البيت المقدس وهو بيت آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فقلت له: أما ما سمعت به إلى يومي هذا فهو بيت المقدس، فقال لي:
تلك محاريب الانبياء، وإنما كان يقال لها: حظيرة المحاريب، حتى جاءت الفترة التي كانت بين محمد وعيسى صلى الله عليهما وقرب البلاء من أهل الشرك وحلت النقمات في دور الشياطين فحولوا وبدلوا ونقلوا تلك الاسماء وهو قول الله تبارك وتعالى - البطن لآل محمد والظهر مثل -: " إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان " فقلت له: إني قد ضربت إليك من بلد بعيد، تعرضت إليك بحارا وغموما وهموما وخوفا وأصبحت وأمسيت مؤيسا إلا أكون ظفرت بحاجتي، فقال لي: ما أرى امك حملت بك إلا وقد حضرها ملك كريم ولا أعلم أن أباك حين أراد الوقوع بامك إلا وقد اغتسل وجاء ها على طهر ولا أزعم إلا أنه قد كان درس السفر الرابع من سحره ذلك، فختم له بخير، ارجع من حيث جئت، فانطلق حتى تنزل
الصفحة 483
مدينة محمد (صلى الله عليه وآله) التي يقال لها: طيبة وقد كان اسمها في الجاهلية يثرب، ثم اعمد إلى موضع منها يقال له: البقيع، ثم سل عن دار يقال لها: دار مروان، فانزلها وأقم ثلاثا ثم سل [عن] الشيخ الاسود الذي يكون على بابها يعمل البواري وهي في بلادهم، اسمها الخصف، فالطف بالشيخ وقل له: بعثني إليك نزيلك الذي كان ينزل في الزاوية في البيت الذي فيه الخشيبات الاربع، ثم سله عن فلان بن فلان الفلاني وسله أين ناديه وسله أي ساعة يمر فيها فليريكاه (1) أو يصفه لك، فتعرفه بالصفة وسأصفه لك، قلت: