الكافي

محمد بن يعقوب الكليني · الأصول من الكافي الجزء الثاني 2 · صفحة 43 من 220

صفحة
[صفحة 5]
ألا إن لله عبادا كمن رأى اهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم (3) وهم يجأرون إلى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء، علماء، بررة، أتقياء، كأنهم القداح قد براهم (4) الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بالقوم من مرض أم خولطو (5)


فقد خالط القوم أمر عظيم ; من ذكر النار وما فيها.


16 عنه، عن علي بن الحكم، عن أبي عبدالله المؤمن، عن جابر قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا جابر والله إني لمحزون، وإني لمشغول القلب، قلت:


جعلت فداك وما شغلك؟ وما حزن قلبك؟ فقال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي


____________


(1) القرض: القطع أى قطعوا أنفسهم من الدنيا تقطيعا باقلاع قلوبهم عنها (في).

(2) في بعض النسخ [عن الحرمات]. جمع الحرمة كالغرفات جمع الغرفة.

(3) أى يتضرعون. جأر إلى الله أى تضرع.

(4) القداح بالكسر: السهم بلا ريش ولا نصل، شبههم في نحافة ابدانهم بالاسهم، ثم ذكر ما يستعمل في السهم أعنى البرى وهو النحت من العبادة أى من كثرتها إن تعلق بقوله: " كأنهم القداح " أو من قلتها إن تعلق بالخوف (في).

(5) قوله: " أم خولطوا " أى أو يقول: خولطوا ويحتمل أن يكون قوله: " مرضى " على الاستفهام وقوله: " أم خولطوا " معادلاله من كلام الناظر فاعترض جوابه (عليه السلام) بين أجزاء كلامه والحاصل أنهم لما كانوا لشدة اشتغالهم بحب الله وعبادته واعتزالهم عن عامة الخلق ومباينة أطوارهم لاطوارهم وأقوالهم لاقوالهم ويسمعون منهم ما هو فوق إدراكهم وعقولهم فتارة ينسبونهم إلى المرض الروحانى وهو الجنون واختلاط العقل بما يفسده وتارة إلى المرض الجسمانى فأجاب عن الاول بالنفى المطلق وعن الثانى بأن المخالطة متحققة لكن لا بما يفسده العقل بل بما يكمله من خوف النار وحب الملك الغفار (آت).[*]

الصفحة 133


خالص دين الله شغل قلبه عما سواه ; يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها؟!.


ياجابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة ; يا جابر الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال ولكن أهل الدنيا أهل غفلة وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة، لم يصمهم عن ذكر الله جل اسمه ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة، كما فازوا بذلك العلم.


واعلم يا جابر أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثر هم لك معونة، تذكر فيعينونك وإن نسيت ذكروك (1)، قوالون بأمر الله قوامون على أمر الله، قطعوا محبتهم بمحبة ربهم ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم ونظروا إلى الله عزوجل وإلى محبته بقلوبهم وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه، لعظيم شأنه، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شئ، إني [إنما] ضربت لك هذا مثلا، لانها عند أهل اللب والعلم بالله كفيئ الظلال ; يا جابر فاحفظ ما استر عاك الله (2) عزوجل من دينه وحكمته ولا تسألن عما لك عنده إلا ماله عند نفسك، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك فتحول إلى دار المستعتب (3)، فلعمري لرب حريص على أمر قد شقي به حين أتاه ولرب كاره لامر قد سعد به حين أتاه، وذلك قول الله عزوجل: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق


____________


(1) أى كنت ذاكرالله وطاعته فهم يعينونك وإن كنت ناسيا لهماذكروك (لح).

(2) الاسترعاء طلب الرعاية ولعل المراد بقوله: " لا تسألن عما لك عنده " انك لاتحتاج إلى أحد تسأله عن ثوابك عندالله إذ ليس ذلك إلا بقدر ماله عند نفسك أعنى بقدر رعايتك دينه و حكمته فاجعله المسؤول وتعرف ذلك منه أوالمراد لا تسأل عن ذلك بل سل عن هذا فانك انما تفوز بذلك بقدر رعايتك هذا أى تكن الدنيا عندك على غير ماوصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعنى أن تكون في الدنيا ببدنك وفى الاخرة بروحك، تسعى في فكاك رقبتك وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت. وهذا الحديث مما ذكره الحسن بن على بن شعبة في تحف العقول ولم يذكر فيه لفظة " غير " وعلى هذا فلا حاجة إلى التكلف في معناه (في).

(3) في الحديث " لايكون بعد الموت من مستعتب " أى ليس بعد الموت من استرضاء. [*]

الصفحة 134


الكافرين (1) ".


17 عنه، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قال أبوذر رحمه الله جزى الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر وبعد شملتي الصوف أتزر بإحداهما وأتردى بالاخرى.


18 وعنه، عن علي بن الحكم، عن المثنى، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان أبوذر رضي الله عنه يقول في خطبته: يا مبتغي العلم كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا ما ينفع خيره ويضر شره إلا من رحم الله (2) ; يا مبتغي العلم لايشغلك أهل ولا مال عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم، والدنيا والآخرة كمنزل تحولت منه إلى غيره وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها ; يا مبتغي العلم قدم لمقامك بين يدي الله عزوجل، فإنك مثاب بعملك كما تدين تدان يا مبتغي العلم.


19 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مالي وللدنيا (3) إنما مثلي ومثلها كمثل الراكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال تحتها (4) ثم راح وتركها.


20 علي بن إبراهيم، عن محمدبن عيسى، عن يحيى بن عقبة الازدي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أبوجعفر (عليه السلام): مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز، كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعدلها من الخروج حتى تموت غما، قال:


وقال أبوعبدالله (عليه السلام): كان فيما وعظ به لقمان ابنه: يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لاولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له ; وإنما أنت عبد مستأجرقد


____________


(1) آل عمران: 141 والتمحيص ; الابتلاء والامتحان. والمحق: المحو والبطلان.

(2) " إلا " في قوله: " إلا ماينفع " كلمة استثناء وما موصولة فالمعنى أن مايتصور في هذه الدنيا إما شئ ينفع خيره أو شئ يضر شره إلا من رحم الله أو كل شئ في الدنيا له جهة نفع وجهة ضر لكل الناس الا من رحم الله فيوفقه للاحتراز عن جهة شره.

(3) في بعض النسخ [ما أنا والدنيا].

(4) يوم صائف: يوم حار وقوله: " فقال تحتها " من القيلولة أى الاستراحة. [*]

الصفحة 135


امرت بعمل ووعدت عليه أجرافأوف عملك واستوف أجرك ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في ذرع أخضر فأكلت حتى سمن فكان حتفها (1) عند سمنها ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر. أخربها ولا تعمرها (2)، فإنك لم تؤمر بعمارتها.


واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عزوجل عن أربع: شبابك فيما أبليته (3) وعمركم فيما أفنيته، وما لك مما اكتسبته وفيما أنفقته، فتأهب لذلك وأعد له جوابا، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا، فإن قليل الدنيا لايدوم بقاؤه وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك و تعرض لمعروف ربك وجدد التوبة في قلبك واكمش (4) في فراغك قبل أن يقصد قصدك (5) ويقضى قضاؤك ويحال بينك وبين ماتريد.


التالي ص 43/220 — الأصلية 5 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...