الكافي

محمد بن يعقوب الكليني · الروضة من الكافي الجزء الثامن 8 · صفحة 135 من 137

صفحة
[صفحة 3]
وأثبت عند الله عز ذكره الحسنات ومحى به السيئات وأدرك به رضوانا من الله تبارك وتعالى فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصة (1) فإنهم خاصة نور يستضاء به وأئمة يقتدى بهم وهو عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم (2) وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الذين ولا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق (3)


فهم من شأنهم شهداء بالحق ومخبر صادق (4) لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، قد خلت لهم من الله السابقة ومضى فيهم من الله عزوجل حكم صادق وفي ذلك ذكرى للذاكرين فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية فإن رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله المستعان.


587 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عمر بن علي، عن عمه محمد بن عمر، عن ابن اذينة قال: سمعت عمر بن يزيد يقول: حدثني معروف بن خربوذ، عن علي بن الحسين (ع) أنه كان يقول: ويلمه فاسقا (5) من لا يزال ممارئا، ويلمه فاجرا من لا يزال مخاصما، ويلمه آثما من كثر كلامه في غير ذات الله عزوجل.

588 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن الحسن بن عمارة، عن نعيم القضاعي

____________


(1) كنى (عليه السلام) بقوله: (من عند اهله) عن نفسه ومن يحذو حذوه من اولاده (عليهم السلام). (في)

(2) ذلك لان صمت العارف ابلغ من نطق غيره. (في)

(3) انما لا يخالفون الدين لانهم قوامه واربابه وانما لا يختلفون فيه لان الحق في التوحيد واحد فالدين او القران بينهم شاهد صادق ياخذون بحكمه كما يؤخذ بحكم الشاهد الصادق. و (صامت ناطق) لانه لا ينطق بنفسه بل لا بد له من مترجم فهو صامت في الصورة وفي المعنى انطق الناطقين لان الاوامر والنواهي والاداب كلها مبنية عليه ومتفرعة عنه فهو شأن من شأنهم. (في)

(4) مخبر صادق في حقهم حال كونهم شهداء بالحق غير مخالفين له ولا مختلفين فيه. (في)

(5) ويلمه اي ويل لامه كما في القاموس. والويل: الحزن والهلاك من العذاب وقد يرد الويل بمعنى التعجب ومنه الحديث (ويلمه مسعر حرب) تعجبا من شجاعته وحربه. (النهاية) (*)

الصفحة 392


عن أبي جعفر (ع) قال: أصبح إبراهيم (ع) فرأى في لحيته شعرة بيضاء فقال: الحمد لله رب العالمين الذي بلغني هذا المبلغ لم أعص الله طرفة عين.


589 - أبان بن عثمان، عن محمد بن مروان، عمن رواه، عن أبي جعفر (ع)

قال: لما اتخذ الله عزوجل إبراهيم خليلا أتاه بشراه بالخلة فجاءه ملك الموت في صورة شاب أبيض عليه ثوبان أبيضان يقطر رأسه ماءا ودهنا (1) فدخل إبراهيم (ع)


الدار فاستقبله خارجا من الدار وكان إبراهيم (ع) رجلا غيورا وكان إذا خرج في حاجة أغلق بابه واخذ مفتاحه معه ثم رجع ففتح فإذا هو برجل قائم أحسن ما يكون من الرجال فأخذه بيده وقال: ياعبدالله من أدخلك داري فقال: ربها أدخلنيها فقال: ربها أحق بها مني فمن أنت؟ قال: أنا ملك الموت ففزع إبراهيم (ع) فقال: جئتني لتسلبني روحي؟


قال: لا ولكن اتخذ الله عبدا خليلا فجئت لبشارته (2) قال: فمن هو لعلي أخدمه حتى أموت؟ قال: أنت هو، فدخل على سارة (عه) فقال لها: إن الله تبارك وتعالى اتخذني خليلا.


590 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سليم الفراء، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (ع) مثله إلا أنه قال في حديثه: إن الملك لما قال: أدخلنيها ربها عرف إبراهيم (ع) أنه ملك الموت (ع) فقال له: ما أهبطك قال: جئت ابشر رجلا أن الله تبارك وتعالى اتخذه خليلا، فقال له إبراهيم (ع): فمن هذا الرجل؟ فقال له الملك: وما تريه منه؟ فقال له إبراهيم (ع): أخدمه أيام حياتي، فقال له الملك:

فأنت هو.


591 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (ع) أن إبراهيم (ع) خرج ذات يوم يسير ببعير فمر بفلاة من الارض فإذا هو برجل قائم يصلي قد قطع الارض (3) إلى السماء طوله ولباسه

____________


(1) كناية عن طراوته وصفائه. (آت)

(2) لعل السر في تخصيص ملك الموت بالبشارة بالخلة كونه سببا للقاء الله سبحانه والوصول اليه وبالبشارة بالخلة يشتاق قلب الخليل إلى لقاء خليله ووصوله اليه. (في)

(3) القطع: العمود. (في) (*)

الصفحة 393


شعر، قال: فوقف عليه إبراهيم (ع) وعجب منه وجلس ينتظر فراغه، فلما طال عليه حركه بيده فقال له: إن لي حاجة فخفف، قال: فخفف الرجل وجلس إبراهيم (ع)، فقال له إبراهيم (ع): لمن تصلي؟ فقال: لاله إبراهيم، فقال له: ومن إله إبراهيم، فقال: الذي خلقك وخلقني، فقال له إبراهيم (ع): قد أعجبني نحوك (1) وأنا احب أن أواخيك في الله، أين منزلك إذا أردت زيارتك ولقاءك؟ فقال له الرجل: منزلي خلف هذه النطفة - وأشار بيده إلى البحر (2) - وأما مصلاي فهذا الموضع تصيبني فيه إذا أردتني إن شاء الله.


قال: ثم قال الرجل لابراهيم (ع): ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: نعم، فقال له: وما هي؟


قال: تدعو الله واؤمن على دعائك وأدعو أنا فتؤمن على دعائي، فقال الرجل: فبم ندعو الله؟ فقال إبراهيم (ع): للمذنبين من المؤمنين، فقال الرجل لا، فقال إبراهيم


(ع): ولم؟ فقال: لاني قد دعوت الله عزوجل منذ ثلاث سنين بدعوة لم أر إجابتها حتى الساعة وأنا أستحيي من الله تعالى أن أدعوه حتى أعلم أنه قد أجابني، فقال إبراهيم (ع): فبم دعوته؟ فقال له الرجل: إني في مصلاي هذا ذات يوم إذ مر بي غلام أروع، النور يطلع من جبهته، له ذؤابة من خلفة (3) ومعه بقر يسوقها كأنما دهنت دهنا وغنم يسوقها كأنما دخست دخسا (4) فأعجبني ما رأيت منه فقلت له: يا غلام لمن هذا البقر والغنم؟ فقال لي: لابراهيم (ع)، فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا إسماعيل بن


____________


(1) اي طريقتك في العبادة او مثلك.

(2) قال الفيروز آبادي: النطفة بالضم: الماء الصافي، قل او كثر. وقال المطرزي:

النطفة: البحر.


(3) (اروع) قال الجوهري: الاروع من الرجال الذي يعجبك حسنه. والذؤابة في اللغة:

الناصية وهي شعر في مقدم الرأس وذؤابة كل شئ اعلاه ومنه (هو ذؤابة قومه) اي المقدم فيهم.


(4) يقال: دهنه اي طلاه بالدهن وهو كناية عن سمنها اي ملئت دهنا او صفائها اي طليت به.

وقوله: (كانما دخست دخسا) في اكثر النسخ بالخاء المعجمة وفي بعضها بالمهملة قال الجوهري:


الدخيس: اللحم المكتنز وكل ذي سمن دخيس، وقال الجزري: كل شئ ملاته فقد دحسته والدحاس الامتلاء والزحام. (آت) (*)


الصفحة 394


إبراهيم خليل الرحمن فدعوت الله عزوجل وسألته أن يريني خليله فقال له إبراهيم (ع):


فأنا إبراهيم خليل الرحمن وذلك الغلام ابني فقال له الرجل عند ذلك: الحمد لله الذي أجاب دعوتي، ثم قبل الرجل صفحتي إبراهيم (ع) وعانقة، ثم قال: أما الآن فقم فادع حتى اؤمن على دعائك، فدعا إبراهيم (ع) للمؤمنين والمؤمنات والمذنبين من يومه ذلك (1) بالمغفرة والرضا عنهم، قال: وأمن الرجل على دعائه.


قال أبوجعفر (ع) فدعوة إبراهيم (ع) بالغة للمؤمنين المذنبين من شيعتنا إلى يوم القيامة.


592 - علي بن محمد، عن بعض أصحابه رفعه قال: كان علي بن الحسين (ع)

إذا قرأ هذه الآية " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (2) " يقول: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفه نعمة إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فشكر عزوجل معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفته بالتقصير شكرا كما علم علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيمانا، علما منه أنه قد وسع العبار (3) فلا يتجاوز ذلك فإن شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته وكيف يبلغ مدى عبادته ومن لا مدى له ولا كيف، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.


593 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبدالرحمن بن أبي هاشم، عن عنبسة بن بجاد العابد، عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: كنا عنده وذكروا سلطان

____________


(1) اي إلى يوم القيامة كما هو الموجود في كتاب كمال الدين الصدوق. (آت)

(2) النحل: 18. (3) القد: القدر. وقوله (ايمانا) قال الفيض رحمه الله اشارة إلى قوله سبحانه: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) قال امير المؤمنين (عليه السلام): (ان الراسخين في العلم هم الذين اغناهم الله عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول مالم يحيطوا به علما وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا). (*)

الصفحة 395


بني أمية فقال أبوجعفر (ع): لا يخرج على هشام أحد إلا قتله، قال: وذكر ملكه عشرين سنة، قال: فجزعنا، فقال: مالكم إذا أراد الله عزوجل أن يهلك سلطان قوم أمر الملك فأسرع بسير الفلك فقدر على ما يريد؟ قال: فقلنا لزيد (ع) هذه المقالة، فقال: إني شهدت هشاما ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسب عنده فلم ينكر ذلك ولم يغيره فوالله لو لم يكن إلا أنا وابني لخرجت عليه.


594 - وبهذا الاسناد، عن عنبسة، عن معلى بن خنيس قال: كنت عند أبي عبدالله (ع) إذ أقبل محمد بن عبدالله فسلم ثم ذهب فرق له أبوعبدالله (ع) ودمعت عيناه فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع؟ فقال: رققت له لانه ينسب إلى أمر ليس له (2) لم أجده في كتاب علي (ع) من خلفاء هذه الامة ولا من ملوكها.

595 - علي بن إبراهيم رفعه قال: قال ابوعبدالله (ع) لرجل: ما الفتى عنكم؟

فقال له: الشاب، فقال: لا، الفتى: المؤمن، إن أصحاب الكهف كانوا شيوخا فسماهم الله عزوجل فتية بإيمانهم.


596 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير قال:

سأل رجل أبا جعفر (ع) عن قول الله عزوجل: " فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا فظلموا أنفسهم (3) " فقال: هؤلاء قوم كان لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية، وأموال ظاهرة، فكفروا بأنعم الله وغيروا ما بأنفسهم فأرسل الله عزوجل عليهم سيل العرم فغرق قراهم وأخرب ديارهم وأذهب بأموالهم وأبدلهم مكان جناتهم جنتين ذواتي اكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل (4) ثم قال الله عزوجل: " ذلك جزيناهم بما كفروا


____________


التالي ص 135/137 — الأصلية 3 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...