تفسير الإمام العسكري عليه الصلاة والسلام

الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهم الصلاة و السلام · تفسير الإمام الحسن العسكري عليه الصلاة والسلام · الصفحة الأصلية 148 / داخلي 132 من 693

[صفحة 148]

قال : وخلق الذين من قبلكم من سائر أصناف الناس ( لعلكم تتقون ) . ( 1 )

قال : لها وجهان : ( 2 )

1 ) " لعل " لغة للترجي ، وفى موارد كلام الله سبحانه للواجب العقلي والشرعي ، وقد وردت
في مواضع عديدة من القرآن الكريم ، مثل قوله : لعلكم تسلمون ، تهتدون ، تفلحون . فراجع .

وفى استعمال لفظ " لعل في الموارد تنبيه على جعل المشيئة لهم في مقام الطاعة والعصيان

كما قال سبحانه : " انا هديناه السبيل اما شاكرا وأما كفروا "

و " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " .

وكما في قوله تعالى لموسى في فرعون الذي يعلم حاله وعاقبة أمره " لعله يتذكر أو يخشى "

وقد سئل الإمام الصادق عنها فقال عليه السلام : تذكر وخشي وآمن في وقت لم ينتفع به .

أما الاتقاء فأصله : الاوتقاء ، ومن وقى الشئ إذا صانه وستره ، وتحرز من الأذى

والآفات قال تعالى : " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " " قنا عذاب الجحيم " " وقاهم الله شر ذلك

اليوم " " وما لهم من ربهم من واق " فكأن المتقى إذا لبس التقوى من الله في قلبه لبس

حرزا ودرعا حصينا مما يخاف ويحذر . والتقوى ضد الفجر والفجور .

فراجع المعجم المفهرس ( فجر ) : " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها "

" بل يريد الانسان ليفجر أمامه "

" أم نجعل المتقين كالفجار "

كيف جعل الفجور - من فجر العيون - لطغيان النفس وطاعة الهوى .

2 ) ترى أيكون استعمال لفظ " لعلكم تتقون " لإفادة المعنيين : " اتقاء الله ، واتقاء النار " أو
أحدهما مرددا ؟ ! أو يمكن أن يكون له مفهوما جامعا ينطبق عليهما بالمطابقة والالتزام ؟

أقول : ينبغي ذكر أمور : الأول : أن " اتقوا " في كلام الله متعلق بأمرين : " اتقوا الله حق

تقاته " آل عمران : 102 ، " اتقوا يوما " البقرة : 48 ، 123 ، 281 " اتقوا النار التي

أعدت للكافرين " آل عمران : 131 .

ولا ريب - حقيقة واعتبارا - أن اتقاء الله بطاعته وعبادته سبب لاتقاء النار والوقاية

منها ، فإذا لم يصرح بما يتقى ، فالمراد هو الاتقاء " مطلقا " الذي ينطبق عليهما موردا وقهرا .

الثاني : أن " لعلكم تتقون " متعلقة ظاهرا ب‍ " اعبدوا " دون خلقكم ، ونظيره قوله تعالى

كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " البقرة : 183 .

الثالث : أنه فرق بين أن يقول " اعبدوا ربكم . لعلكم تتقون " أو يقول " ربكم الذي

خلقكم . لعلكم تتقون " فالتوصيف ب‍ " ربكم الذي خلقكم " يشعر بالربط بين الخلق

ووجوب العبادة ، كما صرح به في قوله تعالى " وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون " الذاريات : 56

فاذن يحصل لنا - من مجموع الآيات : " اعبدوا ربكم الذي خلقكم . لعلكم تتقون

ومن التصريح في " ليعبدون " ، وآيات في فضل المتقين ، وقوله تعالى : " وينجي الله الذين

اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء " الزمر : 61 " فوقاهم الله شر ذلك اليوم " الانسان : 11 -

أن للانسان مراحل من الخلقة إلى استكماله وخلوده في مقام أمين ، وأن الله واقيه لا يمسه

سوء ولا شر من اليوم الموعود .

واجماله أن الله أراد أن يعبد ، فخلق الخلق ، ثم هداه إلى معرفة ذاته وقدرته وجلاله

وألهمه الفجور والتقوى ليكون بالمشيئة : اما شاكرا ، واما كفورا ، ثم يختار أن يكون عن

معرفة وتذلل عبدا لله مطيعا خاضعا ، ثم يطيعه لا يعصيه اتقاء بعبادته تسبيبا إلى اتقاء النار التي

وعدها الله الكافرين فإذا اتقى ولبس درع التقوى وعبد ، فكأنه احترز بحرز لا يمسه سوء .

فإذا عرفت ذلك ، أقول : " لعلكم تتقون " جامع مطلق لم يخص باتقاء الله أو النار ، فله

التوجيهان والتوجيه بأيهما صحيح يفيد مفهوما انطباقيا .

فإذا وجه قوله " لعلكم تتقون " - طبقا للموضوع المتسلسل المتقدم - إلى " خلقكم " فالمناسب

اتقاء الله بعبادته المستلزم لاتقاء النار . وإذا وجه إلى " اعبدوا " فالمناسب اتقاء النار

الحاصل بالعبادة المستوجب لما حتم الله على المتقين بقوله " ينجى الله الذين اتقوا

بمفازتهم سوء العذاب " .


التالي الأصلية 148داخلي 132/693 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...