الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهم الصلاة و السلام · تفسير الإمام الحسن العسكري عليه الصلاة والسلام · صفحة القارئ 375 من 693 · الصفحة الأصلية 392
صفحة
[صفحة 392]
وهل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم ؟
إنه لا يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوا عنها إلا وهم - يعنون أنفسهم - أفضل
منه في الدين فضلا ، وأعلم بالله وبنبيه ( 1 ) علما .
فأراد الله أن يعرفهم أنهم قد أخطأوا في ظنونهم واعتقاداتهم ، فخلق آدم وعلمه
الأسماء كلها ، ثم عرضها عليهم ، فعجزوا عن معرفتها ، فأمر آدم أن ينبئهم بها ، وعرفهم
فضله في العلم عليهم . ثم أخرج من صلب آدم ذريته ( 2 ) منهم الأنبياء والرسل
والخيار من عباد الله أفضلهم محمد ، ثم آل محمد ، ومن الخيار الفاضلين منهم
أصحاب محمد وخيار أمة محمد .
وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة ( إذا احتملوا ) ( 3 ) ما حملوه من
الأثقال وقاسوا ما هم فيه من تعرض ( 4 ) أعوان ( 5 ) الشياطين ومجاهدة النفوس ، واحتمال
أذى ثقل العيال ، والاجتهاد في طلب الحلال ، ومعاناة مخاطرة الخوف من الأعداء -
من لصوص مخوفين ، ومن سلاطين جورة قاهرين - وصعوبة المسالك في المضائق
عرفهم الله عز وجل أن خيار المؤمنين يحتملون هذه البلايا ، ويتخلصون منها
ويحاربون الشياطين ويهزمونهم ، ويجاهدون أنفسهم بدفعها عن شهواتها ، ويغلبونها
مع ما ركب فيهم من شهوة الفحولة وحب اللباس والطعام والعز والرئاسة ، والفخر
1 ) " بدينه " الاحتجاج والبحار . 2 ) " إذ حملوا " أ . 3 ) " ( مما ) يعرض من " أ ، ط . " بعرض من " البحار : 21 . " بعرض يعرض من " الاحتجاج ، ق ، د . 4 ) " اغواء " ط . 5 ) جمع جزع - بالكسر وقد يفتح - وهو منعطف الوادي ووسطه أو مفتتحه ، أو مكان بالوادي لا شجر فيه ، وربما كان رملا .