تفسير القمي

أبى الحسن على بن إبراهيم القمى · تفسير القمي الجزء الاول 1 · صفحة 399 من 441

صفحة
ينبذون فيها فاكفأ كلها ثم قال هذه كلها خمر وقد حرمها الله، قكان اكثر شئ اكفئ (2) من ذلك يومئذ من الاشربة الفضيخ، ولا اعلم اكفئ يومئذ من خمر العنب شئ الا اناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا، واما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شئ، حرم الله الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشراءها والانتفاع بها، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد فاجلدوه ومن عاد فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه، وقال حق على الله ان يسقي من شرب الخمر مما يخرج من فروج المومسات، والمومسات الزواني يخرج من فروجهن صديد والصديد قيح ودم غليظ مختلط يؤذي اهل النار حره ونتنه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شرب الخمر لم تقبل له صلاة اربعين ليلة، فان عاد فاربعين


____________


(1) الفضيخ كنبيذ شراب يتخذ من البسر

(2) كفأه كمنعه قلبه ق. ج ـ ز (*)

الصفحة 181


ليلة من يوم شربها فان مات في تلك الاربعين ليلة من غير توبة سقاه الله يوم القيامة من طينة خبال (1) وسمي المسجد الذي قعد فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم اكفئت المشربة مسجد الفضيخ من يومئذ، لانه كان اكثر شئ اكفئ من الاشربة الفضيخ.


واما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر، واما الانصاب فالاوثان التي كانوا يعبدونها المشركون، واما الازلام فالاقداح التي كانت تستقسم بها مشركوا العرب في الجاهلية، كل هذا بيعه وشراه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم، وهو رجس من عمل الشيطان، فقرن الله الخمر والميسر مع الاوثان، واما قوله (اطيعو الله واطيعوا الرسول واحذروا) يقول لا تعصوا ولا تركنوا إلى الشهوات من الخمر والميسر (فان توليتم) يقول عصيتم (فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين) اذ قد بلغ وبين فانتهوا، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه سيكون قوم يبيتون وهم على شرب الخمر واللهو والغناء فبينماهم كذلك اذ مسخوا من ليلتهم واصبحوا قردة وخنازير وهو قوله " واحذروا " ان تعتدوا كما اعتدى اصحاب السبت، فقد كان املي لهم حتى اثروا (2) وقالوا ان السبت لنا حلال وانما كان حرم على اولينا وكانوا يعاقبون على استحلالهم السبت، فاما نحن فليس علينا حرام وما زلنا بخير منذ استحللناه وقد كثرت اموالنا وصحت اجسامنا، ثم اخذهم الله ليلا وهم غافلون فهو قوله " واحذروا " ان يحل بكم مثل ماحل بمن تعدى وعصى فلما نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في امرهما قال الناس من المهاجرين والانصار يا رسول الله قتل اصحابنا وهم يشربون الخمر وقد سماه الله رجسا وجعله من عمل الشيطان وقد قلت ما قلت أفيضر اصحابنا ذلك


____________


(1) وهو الصديد يخرج من فروج الزناة.

(2) اي عزموا على المعصية. ج ـ ز (*)

الصفحة 182


شيئا بعد ما ماتوا؟ فانزل الله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية) فهذا لمن مات او قتل قبل تحريم الخمر، والجناح هو الاثم على من شربها بعد التحريم، قال علي بن ابراهيم في قوله (ياايها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله ابديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب) قال نزلت في غزاة الحديبية قد جمع الله عليهم الصيد فدخل بين رحائلهم ليبلونهم الله اي يختبرهم وقوله (ليعلم الله من يخافه بالغيب قبل ذلك) ولكنه عزوجل لا يعذب احدا الا بحجة بعد اظهار الفعل وقوله (ياايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) فواجب لفظ الآية ان الفداء يجب على من قتل الصيد متعمدا وفي المعنى والتفسير يجب الجزاء على من قتل الصيد متعمدا او خطأ.


حدثني محمد بن الحسين (الحسن ط) عن محمد بن عون النصيبي قال لما اراد المأمون ان يزوج ابا جعفر محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) ابنته ام الفضل اجتمع اليه اهل بيته الادنين منه فقالوا له ياامير المؤمنين ننشدك الله ان لا تخرج عنا امرا قد ملكناه وتنزع عنا عزا قد البسنا الله فقد عرفت الامر الذي بيننا وبين آل علي قديما وحديثا، قال المأمون اسكتوا فوالله لاقبلت من احدكم في امره، فقالوا ياامير المؤمنين أفتزوج قرة عينك صبيا لم يتفقه في دين الله ولا يعرف فريضة ولا سنة ولا يميز بين الحق والباطل، ولا بي جعفر (عليه السلام) يومئذ عشرة سنين او احد عشرة سنة، فلو صبرت عليه حتى يتأدب ويقرأ القرآن ويعرف فرضا من سنته، فقال لهم المأمون والله انه لافقه منكم واعلم بالله وبرسوله وفرائضه وسننه واحكامه واقرأ بكتاب الله واعلم بمحكمه ومتشابهه وخاصه وعامة وناسخه ومنسوخه وتنزيله وتأويله منكم فاسألوه فان كان الامر كما قلتم قبلت منكم في امره وان كان كما قلت علمتم ان الرجل خير منكم، فخرجوا من عنده وبعثوا إلى


الصفحة 183


يحيى بن اكثم واطمعوه في هدايا ان يحتال على ابي جعفر (عليه السلام) بمسألة لا يدري كيف الجواب فيها عند المأمون اذا اجتمعوا للتزويج، فلما حضروا وحضر ابوجعفر (عليه السلام) قالوا ياامير المؤمنين هذا يحيى بن اكثم ان اذنت له ان يسأل ابا جعفر (عليه السلام) عن مسألة، فقال المأمون يايحيى سل ابا جعفر (عليه السلام) عن مسألة في الفقه لننظر كيف فقهه، فقال يحيى يا اباجعفر اصلحك الله ما تقول في محرم قتل صيدا؟ فقال ابوجعفر (عليه السلام) قتله في حل او حرم، عالما او جاهلا، عمدا أو خطأ، عبدا او حرا، صغيرا او كبيرا، مبديا او معيدا، من ذوات الطير او من غيرها، من صغار الصيد او من كبارها، مصرا عليها او نادما، بالليل في وكرها او بالنهار عيانا، محرما لعمرة او للحج؟ قال فانقطع يحيى بن اكثم انقطاعا لم يخف على اهل المجلس واكثر الناس تعجبا من جوابه، ونشط المأمون فقال نخطب يا ابا جعفر، فقال نعم يا امير المؤمنين فقال المأمون:


الحمد لله اقرارا بنعمته ولا اله إلا الله اخلاصا لعظمته وصلى الله علي محمد عند ذكره وقد كان من فضل الله على الانام ان اغناهم بالحلال عن الحرام فقال وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ثم ان محمد بن علي ذكر ام الفضل بنت عبدالله وبذل لها من الصداق خمسمائة درهم وقد زوجتك فهل قبلت ياابا جعفر، قال ابوجعفر (عليه السلام) نعم ياامير المؤمنين قد قبلت هذا التزويج بهذا الصداق ثم اولم عليه المأمون وجاء الناس على مراتبهم الخاص والعام، قال فبينما نحن كذلك اذ سمعنا كلاما كأنه من كلام الملاحين في مجاوباتهم فاذا نحن بالخدم يجرون سفينة من فضة وفيها نسائج ابريسم مكان القلوس (1) مملوة غالية فخضبوا اهل الخاص بها ثم مروا بها إلى دار العامة فطيبوهم، فلما تفرق الناس قال المأمون ياابا جعفر ان رأيت ان تبين لنا ما الذي يجب على كل صنف من هذه الاصناف التي ذكرت في قتل الصيد؟ فقال ابوجعفر (عليه السلام)


____________


(1) قلوص كفلوس جمع قلس حبل للسفينة ضخم. ج. ز (*)

الصفحة 184


نعم ياامير المؤمنين ان المحرم اذا قتل صيدا في الحل والصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، واذا اصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، واذا قتل فرخا في الحل فعليه جمل قد فطم وليس عليه قيمته لانه ليس في الحرم، واذا قتله في الحرم فعليه الجمل وقيمته لانه في الحرم، واذا كان من الوحش فعليه في حمار الوحش بدنة وكذلك في النعامة، فان لم يقدر فعليه اطعام ستين مسكينا، فان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما، وان كانت بقرة فعليه بقرة فان لم يقدر فعليه اطعام ثلاثين مسكينا، فمن لم يقدر فليصم تسعة ايام، وان كان ظبيا فعليه شاة، فان لم يقدر فاطعام عشرة مساكين، فان لم يقدر فصيام ثلاثة ايام، وان كان في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة حقا واجبا عليه ان ينحره، وان كان في حج بمنى حيث ينحر الناس فان كان في عمرة ينحره بمكة ويتصدق بمثل ثمنه حتى يكون مضاعفا، وكذلك اذا اصاب ارنبا فعليه شاة واذا قتل الحمامة تصدق بدرهم او يشتري به طعاما لحمامة الحرم، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم. وكلما اتى به المحرم بجهالة فلا شئ عليه فيه الا الصيد فان عليه الفداء بجهالة كان او بعلم بخطأ كان او بعمد، وكلما اتى به العبد فكفارته على صاحبه بمثل ما يلزم صاحبه، وكلما

التالي ص 399/441 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...