البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 138 من 743

صفحة
[صفحة 144]

فيقول الأول لأصحابه: كيف رأيتم سخريتي بهؤلاء، و كفي عاديتهم عني و عنكم؟ فيقولون له: لا نزال بخير ما عشت لنا.


فيقول لهم: فهكذا فلتكن معاملتكم لهم، إلى أن تنتهزوا الفرصة فيهم مثل هذه، فإن اللبيب العاقل من تجرع على الغصة (1) حتى ينال الفرصة.


ثم يعودون إلى أخدانهم المنافقين المتمردين المشاركين لهم في تكذيب رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيما أداه إليهم عن الله عز و جل من ذكر و تفضيل أمير المؤمنين (عليه السلام) و نصبه إماما على كافة المكلفين قََالُوا -لهم- إِنََّا مَعَكُمْ فيما واطأتكم عليه أنفسكم، من دفع علي عن هذا الأمر، إن كانت لمحمد كائنة، فلا يغرنكم و لا يهولنكم ما تسمعونه مني من تقريظهم‏ (2) ، و تروني أجترئ عليهم من مداراتهم إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بهم.


فقال الله عز و جل: يا محمد اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يجازيهم جزاء استهزائهم في الدنيا و الآخرة وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ يمهلهم فيتأنى بهم برفقه، و يدعوهم إلى التوبة، و يعدهم إذا تابوا المغفرة و هم يَعْمَهُونَ لا يرعوون‏ (3) عن قبيح، و لا يتركون أذى لمحمد و علي (صلوات الله عليهما) يمكنهم إيصاله إليهما إلا بلغوه.


قال العالم (عليه السلام) : فأما استهزاء الله تعالى بهم في الدنيا فهو أنه-مع إجرائه إياهم على ظاهر أحكام المسلمين، لإظهارهم ما يظهرونه من السمع و الطاعة، و الموافقة-يأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالتعريض لهم حتى لا يخفي على المخلصين من المراد بذلك التعريض، و يأمر بلعنهم.


و أما استهزاؤه بهم في الآخرة فهو أن الله عز و جل إذا أقرهم في دار اللعنة و الهوان و عذبهم بتلك الألوان العجيبة من العذاب، و أقر هؤلاء المؤمنين في الجنان بحضرة محمد (صلى الله عليه و آله) صفي الملك الديان أطلعهم على هؤلاء المستهزئين الذين كانوا يستهزءون بهم في الدنيا، حتى يروا ما هم فيه من عجائب اللعائن و بدائع النقمات، فتكون لذتهم و سرورهم بشماتتهم بهم، كما لذتهم و سرورهم بنعيمهم في جنات ربهم.


فالمؤمنون يعرفون أولئك الكافرين و المنافقين بأسمائهم و صفاتهم، و هم على أصناف: منهم من هو بين أنياب أفاعيها تمضغه و تفترسه، و منهم من هو تحت سياط زبانيتها (4) و أعمدتها و مرزباتها (5) ، تقع من أيديها عليه ما يشدد في عذابه، و يعظم حزنه و نكاله، و منهم من هو في بحار حميمها يغرق، و يسحب فيها، و منهم من هو في غسلينها (6) و غساقها (7) ، تزجره فيها زبانيتها. و منهم من هو في سائر أصناف عذابها.


____________


(1) الغصّة: الشّجا في الحلق. «مجمع البحرين-غصص-4: 176» .

(2) التقريظ: مدح الإنسان و هو حيّ، بباطل أو حقّ. «الصحاح-قرظ-3: 1177» .

(3) ارعوى عنه: كفّ و ارتدع. «المعجم الوسيط-رعا-1: 355» .

(4) الزبانية عند العرب: الشرط، و سمّي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النّار إليها. «الصحاح-زبن-5: 2130» .

(5) المرزبات: جمع مرزبة: و هي عصيّة من حديد، و هي أيضا المطرقة الكبيرة التي تكون للحدّاد. «لسان العرب-رزب-1: 416 و 417» .

(6) الغسلين: غسالة أجواف أهل النّار، و كلّ جرح و دبر. «مجمع البحرين-غسل-5: 434» .

(7) الغسّاق: ما يغسق من صديد أهل النّار، أي يسيل. «مجمع البحرين-غسق-5: 223» .

التالي ص 138/743 — الأصلية 144 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...