هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 182 من 743
صفحة
[صفحة 188]
تعرضتما لرضاي تسارعت إلى رضاكما، و إن خفتما مني آمنتكما من سخطي. قال: فبكيا عند ذلك، و قالا: ربنا، فأعنا على صلاح أنفسنا، و على العمل بما يرضيك عنا.
قال الله لهما: إذا عملتما سوءا فتوبا إلي منه أتب عليكما، و أنا الله التواب الرحيم.
قالا: فأهبطنا برحمتك إلى أحب البقاع إليك؛ قال: فأوحى الله إلى جبرئيل: أن أهبطهما إلى البلدة المباركة مكة، قال: فهبط بهما جبرئيل فألقى آدم على الصفا، و ألقى حواء على المروة.
قال: فلما ألقيا قاما على أرجلهما، و رفعا (1) رؤوسهما إلى السماء، و رفعا أصواتهما بالبكاء إلى الله تعالى، و خضعا بأعناقهما. قال: فهتف الله بهما: ما يبكيكما بعد رضاي عنكما؟ قال: فقالا: ربنا، أبكتنا خطيئتنا، و هي التي أخرجتنا من جوار ربنا، و قد خفي عنا تقديس ملائكتك لك -ربنا-و بدت لنا عوراتنا، و اضطرنا ذنبنا إلى حرث الدنيا و مطعمها و مشربها، و دخلتنا وحشة شديدة لتفريقك بيننا.
قال: فرحمهما الرحمن الرحيم عند ذلك، و أوحى إلى جبرئيل: أنا الله الرحمن الرحيم، و إني قد رحمت آدم و حواء لما شكيا إلي، فاهبط عليهما بخيمة من خيام الجنة، و عزهما عني بفراق الجنة، و اجمع بينهما في الخيمة، فإني قد رحمتهما لبكائهما و وحشتهما و وحدتهما، و انصب لهما الخيمة على الترعة (2) التي بين جبال مكة.
قال: و الترعة مكان البيت و قواعده التي رفعتها الملائكة قبل ذلك، فهبط جبرئيل على آدم بالخيمة على مكان (3) أركان البيت و قواعده فنصبها، قال: و أنزل جبرئيل آدم من الصفا، و أنزل حواء من المروة، و جمع بينهما في الخيمة، قال: و كان عمود الخيمة قضيب ياقوت أحمر، فأضاء نوره و ضوؤه جبال مكة و ما حولها، قال: و امتد ضوء العمود، فجعله الله حرما (4) لحرمة الخيمة و العمود، لأنهما من الجنة.
قال: و لذلك جعل الله الحسنات في الحرم مضاعفة، و السيئات فيه مضاعفة، قال: و مدت أطناب الخيمة حولها (5) ، فمنتهى أوتادها ما حول المسجد الحرام، قال: و كانت أوتادها من غصون الجنة، و أطنابها من ضفائر الأرجوان (6) . قال: فأوحى الله إلى جبرئيل: أهبط على الخيمة سبعين ألف ملك يحرسونها (7) من مردة الجن، و يؤنسون آدم و حواء، و يطوفون حول الخيمة تعظيما للبيت و الخيمة.
قال: فهبطت الملائكة فكانوا بحضرة الخيمة يحرسونها من مردة الشياطين و العتاة، و يطوفون حول أركان
____________
(1) في المصدر: و ضجّا.
(2) الترعة: الروضة و الباب، و يقال: الدرجة. «الصحاح-ترع-3: 1191» .
(3) في المصدر: على مقدار.
(4) في المصدر زيادة: فهو مواضع الحرم اليوم، كلّ ناحية من حيث بلغ ضوء العمود جعله حرما.
(5) في المصدر: حولهما.
(6) الأرجوان: شجر من الفصيلة القرنية، له زهر شديد الحمرة حسن المنظر. «المعجم الوسيط-ارج-1: 13» .