البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 288 من 805

صفحة
[صفحة 233]

قال الله عز و جل: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ يعني تولى أسلافكم مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ عن القيام به، و الوفاء بما عاهدوا عليه فَلَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ يعني على أسلافكم، لو لا فضل الله عليهم بإمهاله إياهم للتوبة، و إنظارهم لمحو الخطيئة بالإنابة لَكُنْتُمْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ المغبونين، قد خسرتم الآخرة و الدنيا، لأن الآخرة فسدت عليكم بكفركم، و الدنيا كان لا يحصل لكم نعيمها لاخترامنا (1) لكم، و تبقى عليكم حسرات نفوسكم و أمانيكم التي اقتطعتم دونها، و لكنا أمهلناكم للتوبة، و أنظرناكم للإنابة، أي فعلنا ذلك بأسلافكم، فتاب من تاب منهم، فسعد، و خرج من صلبه من قدر أن تخرج منه الذرية الطيبة التي تطيب في الدنيا بالله معيشتها، و تشرف في الآخرة بطاعة الله مرتبتها.


قال الحسين بن علي (عليهما السلام) : أما إنهم لو كانوا دعوا الله بمحمد و آله الطيبين بصدق من نياتهم، و صحة اعتقادهم من قلوبهم، أن يعصمهم حتى لا يعاندوه بعد مشاهدة تلك المعجزات الباهرات، لفعل ذلك بجوده و كرمه، و لكنهم قصروا و آثروا الهوى بنا، و مضوا مع الهوى في طلب لذاتهم.


قال الله عز و جل: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ لما اصطادوا السمك‏ (2) فيه فَقُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ مبعدين عن كل خير فَجَعَلْنََاهََا أي جعلنا تلك المسخة التي أخزيناهم و لعناهم بها نَكََالاً عقابا و ردعا لِمََا بَيْنَ يَدَيْهََا بين يدي المسخة من ذنوبهم الموبقات‏ (3) التي استحقوا بها العقوبات وَ مََا خَلْفَهََا للقوم الذين شاهدوهم بعد مسخهم يرتدعون عن مثل أفعالهم لما شاهدوا ما حل بهم من عقابنا (4) وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يتعظون بها، فيفارقون المحرمات‏ (5) و يعظون بها الناس، و يحذرونهم المؤذيات‏ (6) .


قال علي بن الحسين (عليه السلام) : كان هؤلاء قوم يسكنون على شاطئ البحر، نهاهم الله و أنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت، فتوصلوا إلى حيلة ليحلوا بها إلى أنفسهم ما حرم الله، فخدوا أخاديد، و عملوا طرقا تؤدي إلى حياض، يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق، و لا يتهيأ لها الخروج إذا همت بالرجوع منها إلى اللجج‏ (7) .


فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان الله لها، فدخلت الأخاديد و حصلت‏ (8) في الحياض


____________


(1) اخترمهم الدهر: أي اقتطعهم و استأصلهم. «الصحاح-خرم-5: 1910» .

(2) في المصدر: السموك، و السموك: جمع سمك، واحدتها سمكة. «الصحاح-سمك-4: 1592» .

(3) موبقات الذنوب: أي مهلكاتها. «مجمع البحرين-وبق-5: 243» .

(4) في «س» و «ط» : عقابها.

(5) في المصدر: المخزيات.

(6) في المصدر: المرديات.

(7) اللّجج: جمع لجّة!و لجّة الماء: معظمه. «الصحاح-لجج-1: 338» .

(8) حصّلت: تجمّعت و ثبتت. «القاموس المحيط-حصل-3: 368» .

التالي ص 288/805 — الأصلية 233 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...