هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 297 من 743
صفحة
[صفحة 303]
أَمْ تُرِيدُونَ بل تريدون، يا كفار قريش و اليهود أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ما تقترحونه من الآيات التي لا تعلمون هل فيها صلاحكم أو فسادكم كَمََا سُئِلَ مُوسىََ مِنْ قَبْلُ و اقترح عليه، لما قيل له: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اَللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصََّاعِقَةُ (1) .
وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمََانِ بعد جواب الرسول له: أن ما سأله لا يصلح اقتراحه على الله، أو بعد ما يظهر الله تعالى له ما اقترح، إن كان صوابا (2) .
وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمََانِ بأن لا يؤمن عند مشاهدة ما يقترح من الآيات، أو لا يؤمن إذا عرف أنه ليس له أن يقترح، و أنه يجب أن يكتفي بما قد أقامه الله تعالى من الدلالات، و أوضحه من الآيات البينات، فيتبدل الكفر بالإيمان بأن يعاند و لا يلتزم الحجة القائمة عليه فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ أخطأ قصد الطريق المؤدية إلى الجنان، و أخذ في الطريق المؤدية إلى النيران» .
قال (عليه السلام) : «قال الله عز و جل لليهود: يا أيها اليهود أَمْ تُرِيدُونَ بل تريدون من بعد ما آتيناكم أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ و ذلك أن النبي (صلى الله عليه و آله) قصده عشرة من اليهود يريدون أن يتعنتوه (3) ، و يسألوه عن أشياء يريدون أن يعانتوه (4) بها، فبينا هم كذلك إذ جاء أعرابي كأنه (5) يدفع في قفاه، قد علق على عصا-على عاتقه- جرابا مشدود الرأس، فيه شيء قد ملأه، لا يدرون ما هو، فقال: يا محمد، أجبني عما أسألك.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يا أخا العرب، قد سبقك اليهود ليسألوا، أ فتأذن لهم حتى أبدأ بهم؟فقال الأعرابي: لا، فإني غريب مجتاز.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : فأنت إذن أحق منهم لغربتك و اجتيازك. فقال الأعرابي: و لفظة أخرى.
قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : ما هي؟قال: إن هؤلاء أهل كتاب، يدعونه بزعمهم (6) حقا، و لست آمن أن تقول شيئا يواطئونك عليه و يصدقونك، ليفتن الناس عن دينهم، و أنا لا أقنع بمثل هذا، لا أقنع إلا بأمر بين.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أين علي بن أبي طالب؟فدعي بعلي فجاء حتى قرب من رسول الله (صلى الله عليه و آله) . فقال الأعرابي: يا محمد، و ما تصنع بهذا في محاورتي إياك؟ قال: يا أعرابي، سألت البيان، و هذا البيان الشافي، و صاحب العلم الكافي، أنا مدينة الحكمة و هذا بابها، فمن أراد الحكمة و العلم فليأت الباب.
فلما مثل بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) بأعلى صوته: يا عباد الله، من أراد أن
____________
(1) البقرة 2: 55.
(2) (بعد جواب الرسول... صوابا) ليس في «س» .
(3) تعنّته: سأله عن شيء أراد به اللبس عليه و المشقّة. «لسان العرب-عنت-2: 61» .