هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 298 من 743
صفحة
[صفحة 304]
ينظر إلى آدم في جلالته، و إلى شيث في حكمته، و إلى إدريس في نباهته و مهابته، و إلى نوح في شكره لربه و عبادته، و إلى إبراهيم في وفائه و خلته، و إلى موسى في بغض كل عدو لله و منابذته، و إلى عيسى في حب كل مؤمن و حسن معاشرته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب هذا.
فأما المؤمنون فازدادوا بذلك إيمانا، و أما المنافقون فازداد نفاقهم، فقال الأعرابي: يا محمد، هكذا مدحك لابن عمك، إن شرفه شرفك، و عزه عزك، و لست أقبل من هذا شيئا إلا بشهادة من لا تحتمل شهادته بطلانا و لا فسادا، بشهادة هذا الضب.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يا أخا العرب، فأخرجه من جرابك لتستشهده، فيشهد لي بالنبوة، و لأخي هذا بالفضيلة. فقال الأعرابي: لقد تعبت في اصطياده، و أنا خائف أن يطفر (1) و يهرب.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : لا تخف، فإنه لا يطفر، بل يقف و يشهد لنا بتصديقنا و تفضيلنا. فقال الأعرابي:
إني أخاف أن يطفر.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : فإن طفر فقد كفاك به تكذيبا لنا، و احتجاجا علينا، و لن يطفر، و لكنه سيشهد لنا بشهادة الحق، فإذا فعل ذلك فخل سبيله فإن محمدا يعوضك عنه ما هو خير لك منه.
فأخرجه الأعرابي من الجراب، و وضعه على الأرض، فوقف و استقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و مرغ خديه في التراب، ثم رفع رأسه، و أنطقه الله تعالى، فقال: أشهد أن إله إلا الله، وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله و صفيه و سيد المرسلين، و أفضل الخلق أجمعين، و خاتم النبيين، و قائد الغر المحجلين، و أشهد أن أخاك علي بن أبي طالب على الوصف الذي وصفته، و بالفضل الذي ذكرته، و أن أولياءه في الجنان مكرمون (2) ، و أن أعداءه في النار خالدون (3) .
فقال الأعرابي و هو يبكي: يا رسول الله، و أنا أشهد بما شهد به هذا الضب، فقد رأيت و شاهدت و سمعت ما ليس لي عنه معدل و لا محيص.
ثم أقبل الأعرابي إلى اليهود، فقال: ويلكم، أي آية بعد هذه تريدون؟!و معجزة بعد هذه تقترحون؟!ليس إلا أن تؤمنوا أو تهلكوا أجمعين، فآمن أولئك اليهود كلهم، و قالوا: عظمت بركة ضبك علينا، يا أخا العرب.
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يا أخا العرب، خل الضب على أن يعوضك الله عز و جل عنه ما هو خير منه، فإنه ضب مؤمن بالله و برسوله، و بأخي رسوله، شاهد بالحق، ما ينبغي أن يكون مصيدا و لا أسيرا، لكنه يكون مخلى سربه (4) [تكون له مزية]على سائر الضباب، بما فضله الله أميرا.
فناداه الضب: يا رسول الله، فخلني و ولني تعويضه لأعوضه. فقال الأعرابي: و ما عساك تعوضني؟