هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة القارئ 325 من 743 · الصفحة الأصلية 331
صفحة
[صفحة 331]
فشكا إبراهيم (عليه السلام) ذلك إلى الله عز و جل، فأوحى الله إليه: إنما مثل المرأة مثل الضلع العوجاء، إن تركتها استمتعت (1) بها، و إن أقمتها كسرتها، ثم أمره أن يخرج إسماعيل (عليه السلام) و أمه. فقال: يا رب إلى أي مكان؟قال:
إلى حرمي و أمني، و أول بقعة خلقتها من الأرض، و هي مكة.
فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق، فحمل هاجر و إسماعيل و إبراهيم (عليهما السلام) ، و كان إبراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر و نخل و زرع إلا و قال: يا جبرئيل، إلى هاهنا، إلى هاهنا، فيقول جبرئيل: لا، امض، امض، حتى وافى (2) مكة، فوضعه في موضع البيت، و قد كان إبراهيم (عليه السلام) عاهد سارة أن لا ينزل حتى يرجع إليها.
فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها، فاستظلوا تحته، فلما سرحهم (3) إبراهيم و وضعهم و أراد الانصراف عنهم إلى سارة، قالت له هاجر: يا إبراهيم، أ تدعنا (4) في موضع ليس فيه أنيس و لا ماء و لا زرع؟فقال إبراهيم: الله الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم (5) .
ثم انصرف عنهم، فلما بلغ كداء-و هو جبل بذي طوى-التفت إليهم إبراهيم، فقال: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنََا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (6) ثم مضى، و بقيت هاجر.
فلما ارتفع النهار عطش إسماعيل و طلب الماء، فقامت هاجر في الوادي في موضع السعي، و نادت: هل في الوادي من أنيس؟فغاب عنها إسماعيل (عليه السلام) فصعدت على الصفا، و لمع لها السراب في الوادي، فظنت أنه ماء، فنزلت في بطن الوادي وسعت، فلما بلغت المسعى غاب عنها إسماعيل (عليه السلام) ، ثم لمع لها السراب في ناحية الصفا، فهبطت إلى الوادي تطلب الماء، فلما غاب عنها إسماعيل (عليه السلام) عادت حتى بلغت الصفا، فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات، فلما كانت في الشوط السابع و هي على المروة، نظرت إلى إسماعيل (عليه السلام) و قد ظهر الماء من تحت رجليه، فعادت حتى جمعت حوله رملا، فإنه كان سائلا، فزمته (7) بما جعلته حوله، فلذلك سميت زمزم.
و كانت جرهم نازلة بذي المجاز (8) و عرفات، فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطير و الوحش على الماء، فنظرت جرهم إلى تعكف الطير و الوحش على ذلك المكان، فأتبعوها (9) حتى نظروا إلى امرأة و صبي نازلين في
____________
(1) في المصدر: استمتعتها.
(2) في المصدر: أتى.
(3) سرّحت فلانا إلى موضع كذا: إذا أرسلته. «الصحاح-سرح-1: 374» .
(4) في المصدر: لم تدعنا.
(5) في المصدر: المكان حاضر عليكم.
(6) إبراهيم 14: 37.
(7) زمّته شدّته و حجزته بما جعلت حوله من الرمل.
(8) ذو المجاز: موضع سوق بعرفة على ناحية كبكب. «معجم البلدان 5: 55» .