هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 524 من 743
صفحة
[صفحة 530]
أسكنتهم فيها، فعملوا بالمعاصي، و غيروا ديني، و بدلوا نعمتي كفرا، فبي حلفت، لأمتحننهم بفتنة يظل الحليم فيها حيرانا، و لا سلطن عليهم شر عبادي ولادة، و شرهم طعاما، فيسلطن عليهم بالجبرية فيقتل مقاتليهم، و يسبي حريمهم، و يخرب ديارهم التي يغترون بها، و يلقي حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مائة سنة.
فأخبر إرميا أحبار بني إسرائيل، فقالوا له: راجع ربك، فقل له: ما ذنب الفقراء و المساكين و الضعفاء؟ فصام إرميا سبعا، ثم أكل أكلة فلم يوح إليه شيء، ثم صام سبعا (1) ، فأوحى الله إليه: يا إرميا، لتكفن عن هذا، أو لأردن وجهك إلى (2) قفاك» . قال: «ثم أوحى الله تعالى إليه: قل لهم لأنكم رأيتم المنكر فلم تنكروه.
فقال أرميا: رب، أعلمني من هو حتى آتيه، فآخذ لنفسي و أهل بيتي منه أمانا؟قال: ائت موضع كذا و كذا، فانظر إلى غلام أشدهم زمانة (3) ، و أخبثهم ولادة، و أضعفهم جسما، و شرهم غذاء، فهو ذلك.
فأتى إرميا ذلك البلد فإذا هو بغلام في خان، زمن (4) ، ملقى على مزبلة وسط الخان، و إذا له أم ترمي بالكسر، و تفت الكسر في القصعة، و تحلب عليه خنزيرة لها، ثم تدنيه من ذلك الغلام فيأكله.
فقال إرميا: إن كان في الدنيا الذي وصفه الله فهو هذا. فدنا منه، فقال له: ما اسمك؟قال: بخت نصر. فعرف أنه هو، فعالجه حتى برئ. ثم قال له: تعرفني؟قال: لا، أنت رجل صالح. قال: أنا إرميا نبي بني إسرائيل، أخبرني الله أنه سيسلطك على بني إسرائيل فتقتل رجالهم، و تفعل بهم كذا و كذا-قال-: فتاه (5) الغلام في نفسه في ذلك الوقت، ثم قال إرميا: اكتب لي كتابا بأمان منك. فكتب له كتابا، و كان يخرج إلى الجبل و يحتطب، و يدخله المدينة و يبيعه، فدعا إلى حرب بني إسرائيل فأجابوه، و كان مسكنهم في بيت المقدس، و أقبل بخت نصر و من أجابه نحو بيت المقدس، و قد اجتمع إليه بشر كثير، فلما بلغ إرميا إقباله نحو بيت المقدس، استقبله على حمار له و معه الأمان الذي كتبه له بخت نصر، فلم يصل إليه إرميا من كثرة جنوده و أصحابه، فصير الأمان على قصبة أو خشبة و رفعها، فقال: من أنت؟فقال: أنا أرميا النبي الذي بشرتك بأنك سيسلطك الله على بني إسرائيل، و هذا أمانك لي.
فقال: أما أنت فقد أمنتك، و أما أهل بيتك فإني أرمي من هاهنا إلى بيت المقدس، فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا أمان لهم عندي، و إن لم تصل فهم آمنون. و انتزع قوسه و رمى نحو بيت المقدس، فحملت الريح النشابة حتى علقتها في بيت المقدس، فقال: لا أمان لهم عندي.
فلما وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة، و إذا دم يغلي وسطه، كلما ألقي عليه التراب خرج و هو يغلي، فقال: ما هذا؟فقالوا: هذا[دم]نبي كان لله، فقتله ملوك بني إسرائيل و دمه يغلي، و كلما ألقينا عليه التراب خرج يغلي.
____________
(1) في المصدر زيادة: و أكل أكلة، و لم يوح إليه شيء، ثمّ صام سبعا.
(2) في المصدر: في.
(3) الزّمانة: مرض يدوم. «المعجم الوسط-زمن-1: 401» .