هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 683 من 1218
صفحة
[صفحة 274]
ولداننا، و أشرفنا على الهلكة؛ فبعث الله تعالى لهم وابلا هطلا سحا (1) ، ملأ حياضهم و آبارهم و أنهارهم و أوعيتهم و ظروفهم، فقالوا: هذه إحدى الحسنيين؛ ثم أشرفوا من سطوحهم على العساكر المحيطة بهم، فإذا المطر قد آذاهم غاية الأذى، و أفسد أمتعتهم و أسلحتهم و أموالهم، فانصرف عنهم لذلك بعضهم، لأن ذلك المطر أتاهم في غير أوانه، في حمارة القيظ (2) ، حين لا يكون مطر.
فقال الباقون من العساكر: هبكم سقيتم، فمن أين تأكلون؟و لئن انصرف عنكم هؤلاء، فلسنا ننصرف حتى نقهركم على أنفسكم و عيالاتكم، و أهاليكم و أموالكم، و نشفي غيظنا منكم.
فقالت اليهود: إن الذي سقانا بدعائنا بمحمد و آله قادر على أن يطعمنا، و إن الذي صرف عنا من صرفه، قادر على أن يصرف عنا الباقين.
ثم دعوا الله بمحمد و آله أن يطعمهم، فجاءت قافلة عظيمة من قوافل الطعام قدر ألفي جمل و بغل و حمار موقرة (3) حنطة و دقيقا، و هم لا يشعرون بالعساكر، فانتهوا إليهم و هم نيام، و لم يشعروا بهم، لأن الله تعالى ثقل نومهم حتى دخلوا القرية، و لم يمنعوهم، و طرحوا (4) أمتعتهم و باعوها منهم فانصرفوا و بعدوا، و تركوا العساكر نائمة ليس في أهلها عين تطرف، فلما بعدوا انتبهوا، و نابذوا (5) اليهود الحرب، و جعل يقول بعضهم لبعض: الوحى الوحى (6) ، فإن هؤلاء اشتد بهم الجوع و سيذلون لنا.
قال لهم اليهود: هيهات، بل قد أطعمنا ربنا و كنتم نياما، جاءنا من الطعام كذا و كذا، و لو أردنا قتالكم (7) في حال نومكم لتهيأ لنا، و لكنا كرهنا البغي عليكم، فانصرفوا عنا، و إلا دعونا عليكم بمحمد و آله، و استنصرنا بهم أن يخزيكم كما قد أطعمنا و سقانا؛ فأبوا إلا طغيانا، فدعوا الله تعالى بمحمد و آله و استنصروا بهم، ثم برز الثلاثمائة إلى ثلاثين ألفا (8) ، فقتلوا منهم و أسروا و طحطحوهم (9) ، و استوثقوا منهم بأسرائهم، فكان لا ينالهم (10) مكروه من جهتهم، لخوفهم على من لهم في أيدي اليهود؛ فلما ظهر محمد (صلى الله عليه و آله) حسدوه، إذ كان من العرب، فكذبوه.
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : هذه نصرة الله تعالى لليهود على المشركين بذكرهم لمحمد و آله، ألا فاذكروا -يا أمة محمد-محمدا و آله عند نوائبكم و شدائدكم، لينصر الله به ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم،
____________
(1) سحّ الماء سحّا: سال من فوق. «الصحاح-سحح 1: 373» .