هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 577 / داخلي 561 من 877
»»
[صفحة 577]
من ذلك الماء و ارتحلوا، فبلغوا أرضا ذات جرذ كثير و ضفادع فحطوا رواحلهم عندها، فسلطت على مزاودهم و رواياهم و سطائحهم (1) الضفادع و الجرذ، فخرقتها و ثقبتها (2) و سال ماؤها (3) في تلك الحرة (4) ، فلم يشعروا إلا و قد عطشوا و لا ماء معهم، فرجعوا القهقرى إلى تلك الحياض (5) التي كانوا تزودوا منها تلك المياه، و إذا الجرذ و الضفادع قد سبقتهم إليها فثقبت أصولها (6) و سالت في الحرة مياهها، فوقعوا (7) آيسين من الماء، و تماوتوا و لم يفلت (8) منهم أحد إلا واحد كان لا يزال يكتب على لسانه محمدا، و على بطنه محمدا، و يقول: يا رب محمد و آل محمد، قد تبت من أذى محمد، ففرج عني بجاه محمد و آل محمد. فسلم و كف الله عنه العطش، فوردت عليه قافلة فسقوه و حملوه و أمتعة القوم و جمالهم، و كانت الجمال أصبر على العطش من رجالها، فآمن برسول الله (صلى الله عليه و آله) و جعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) تلك الجمال و الأموال له.
و أما الدم، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) احتجم مرة، فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري، و قال له:
غيبه. فذهب و شربه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : ما صنعت به؟قال: شربته يا رسول الله. قال: أو لم أقل لك غيبه؟فقال: غيبته في وعاء حريز. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : إياك و أن تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرم على النار لحمك و دمك لما اختلط بلحمي و دمي. فجعل أربعون من المنافقين يهزءون برسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و يقولون: زعم أنه قد أعتق الخدري من النار، لما اختلط (9) دمه بدمه، و ما هو إلا كذاب مفتر، و أما نحن فنستقذر دمه. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أما إن الله يعذبهم بالدم، و يميتهم به، و إن كان لم يمت القبط. فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لحقهم الرعاف الدائم، و سيلان دماء من أضراسهم، فكان طعامهم و شرابهم يختلط بالدم، فيأكلونه، فبقوا كذلك أربعين صباحا معذبين، ثم هلكوا.
و أما السنين و نقص من الثمرات، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) دعا على مضر، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، و اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. فابتلاهم الله بالقحط و الجوع، فكان الطعام يجلب إليهم من كل ناحية، فإذا اشتروه و قبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يتسوس و ينتن و يفسد، فيذهب أموالهم و لا يجعل لهم في الطعام نفع، حتى أضر بهم الأزم (10) و الجوع الشديد العظيم حتى أكلوا الكلاب الميتة، و أحرقوا عظام الموتى
____________
(1) السطايح: جمع سطيحة، و هي المزادة التي من أديمين قوبل أحدهما بالآخر. «لسان العرب-سطح-2: 484» .
(2) في المصدر: و ثقبتها.
(3) في المصدر: و سالت مياهها.
(4) الحرّة: أرض ذات حجارة سود نخرات كأنّها أحرقت بالنار «لسان العرب-حرر-4: 189» .
(5) في «ط» نسخة بدل: تلك البركة.
(6) في «ط» نسخة بدل: فنقبت أفواهها و أصولها.
(7) في المصدر: فوقفوا.
(8) في المصدر: ينقلب.
(9) في المصدر: لاختلاط.
(10) الأزم: جمع أزمّة، و هي الشدّة و القحط. «لسان العرب-أزم-12: 16» .