هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 347 من 914
صفحة
[صفحة 345]
عمرو بصدر السفينة، و أدركوه، فأخرجوه، فوردوا على النجاشي، و قد كانوا حملوا إليه هدايا، فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، إن قوما منا خالفونا في ديننا، و سبوا آلهتنا، و صاروا إليك، فردهم إلينا.
فبعث النجاشي إلى جعفر، فجاءه (1) ، فقال: يا جعفر ما يقول هؤلاء؟فقال جعفر (رضي الله عنه) : أيها الملك، و ما يقولون؟قال: يسألون أن أردكم إليهم. قال: أيها الملك، سلهم: أ عبيد نحن لهم؟فقال عمرو: لا، بل أحرار كرام. قال:
فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها (2) ؟قال: لا، ما لنا عليكم ديون. قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها (3) ؟قال عمرو: لا. قال: فما تريدون منا؟آذيتمونا، فخرجنا من بلادكم.
فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، خالفونا في ديننا، و سبوا آلهتنا، و أفسدوا شبابنا، و فرقوا جماعتنا، فردهم إلينا لنجمع أمرنا.
فقال جعفر: نعم أيها الملك، خلقنا الله، ثم (4) بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الأنداد، و ترك الاستقسام بالأزلام، و أمرنا بالصلاة و الزكاة، و حرم الظلم، و الجور، و سفك الدماء بغير حقها، و الزنا، و الربا، و الميتة، و الدم، و لحم الخنزير (5) ، و أمرنا بالعدل، و الإحسان، و إيتاء ذي القربى، و نهى عن الفحشاء، و المنكر، و البغي.
فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى بن مريم (عليه السلام) . ثم قال النجاشي: يا جعفر، هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا؟قال: نعم. فقرأ عليه سورة مريم، فلما بلغ إلى قوله: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسََاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا* `فَكُلِي وَ اِشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً (6) و لما سمع النجاشي بهذا بكى بكاء شديدا، و قال: هذا و الله هو الحق.
فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، إنه مخالف لنا، فرده إلينا، فرفع النجاشي يده، فضرب بها وجه عمرو، ثم قال: اسكت، و الله لئن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك. فقام عمرو بن العاص من عنده، و الدماء تسيل على وجهه، و هو يقول: إن كان هذا كما تقول أيها الملك، فإنا لا نتعرض له.
و كانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد، و كان فتى جميلا، فأحبته، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة: لو راسلت جارية الملك. فراسلها، فأجابته، فقال له عمرو: قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا. فقال لها، فبعثت إليه، فأخذ عمرو من ذلك الطيب، و كان الذي فعل به عمارة في قلبه، حين ألقاه في البحر، فأدخل الطيب على النجاشي، فقال: أيها الملك، إن حرمة الملك عندنا، و طاعته علينا عظيمة، و يلزمنا إذا دخلنا بلاده، و نأمن فيها أن لا نغشه و لا نريبه، و إن صاحبي هذا الذي معي قد راسل (7) إلى حرمتك، و خدعها، و بعثت إليه من طيبك. ثم وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي، و هم بقتل عمارة، ثم قال: