فبعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعد ذلك إلى المنافقين الذين اجتمعوا ليلا مع النضر بن الحارث فتلا عليهم الآية، و قال: اخرجوا إلى صاحبكم الفهري حتى تنظروا إليه. فلما رأوه انتحبوا و بكوا، و قالوا: من أبغض عليا و أظهر بغضه قتله علي بسيفه، و من خرج من المدينة بغضا لعلي أنزل الله عليه ما نرى، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل من شيعة علي، مثل سلمان و أبي ذر و المقداد و عمار و أشباههم من ضعفاء الشيعة.
فأوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليه و آله) ما قالوا، فلما انصرفوا إلى المدينة أعلمهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فحلفوا بالله كاذبين أنهم لم يقولوا، فأنزل الله فيهم: يَحْلِفُونَ بِاللََّهِ مََا قََالُوا وَ لَقَدْ قََالُوا كَلِمَةَ اَلْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاََمِهِمْ بظاهر القول لرسول الله (صلى الله عليه و آله) : إنا قد آمنا و أسلمنا لله و للرسول فيما أمرنا به من طاعة علي وَ هَمُّوا بِمََا لَمْ يَنََالُوا من قتل محمد (صلى الله عليه و آله) ليلة العقبة، و إخراج ضعفاء الشيعة من المدينة بغضا لعلي، و تغيضا عليه وَ مََا نَقَمُوا إِلاََّ أَنْ أَغْنََاهُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ بسيف علي في حروب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و فتوحه فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ عَذََاباً أَلِيماً فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ وَ مََا لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ (2) فلما تلاها رسول الله (صلى الله عليه و آله) قالوا: تبنا يا رسول الله، بألسنتهم دون قلوبهم.
فلما اجتمعوا أيضا قالوا: إنا لا نسر في أمر علي و أهل بيته و أتباعه شيئا إلا أظهره الله على محمد، فتلاه علينا، فقد خطبنا محمد، فقال في كلمته: أيها الناس، لم تكن نبوة الأنبياء إلا نسخت بعد نبيها ملكا و جبروتا. فليت لنا في هذا الملك نصيبا (3) ، إذا لم يكن لنا في الآخرة ملك، و لا نحن من شيعة علي، و إنما نظر موالاته و الإيمان به ليكون لنا في الأرض وليا و نصيرا، و أما في السماء فلا حاجة لنا به، لا إلى علي و لا إلى غير علي، و إن محمدا يخبرنا أن الملك من بعده لا يستتم (4) [لأحد]من أمته حتى يوالي عليا و ينصره و يعينه، فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه و آله) :
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَلْمُلْكِ فَإِذاً لاََ يُؤْتُونَ اَلنََّاسَ (5) أي علي و شيعته نَقِيراً* `أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ عَلىََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ آتَيْنََاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (6) كما آتينا محمدا و آل محمد في الدنيا و الآخرة فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفىََ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (7) .
فخطب رسول الله (صلى الله عليه و آله) عند ذلك أصحابه فقال لهم: معاشر المهاجرين و الأنصار، ما بال أصحابي إذا ذكر لهم إبراهيم[و آل إبراهيم]تهللت وجوههم و استبشرت قلوبهم، و إذا ذكر محمد و آل محمد تغيرت
____________
(1) المعارج 70: 1-3.
(2) التوبة 9: 74.
(3) في «س» ، «ط» : نبوة الأنبياء ينسحب بعدها ملك و خير و ما قبلنا في هذا الملك نصيب.