هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 651 من 898
صفحة
[صفحة 651]
بالمدينة قوما ليس نحن بأشد جهادا لك منهم، و لو علموا أنها الحرب لما تخلفوا، و نحن نعد لك الرواحل و نلقى عدونا، فإنا نصبر عند اللقاء، أنجاد في الحرب، و إنا لنرجوا أن يقر الله عينك بنا، فإن يك ما تحبه فهو ذاك، و إن يك غير ذلك قعدت على راحلتك فلحقت بقومنا.
فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «أو يحدث الله غير ذلك، كأني بمصرع فلان ها هنا و بمصرع فلان ها هنا، و بمصرع أبي جهل و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و منبه و نبيه ابني الحجاج، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، و لن يخلف الله الميعاد» . فنزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه و آله) بهذه الآية كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ إلى قوله: وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ (1) .
فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالرحيل حتى نزل عشاء على ماء بدر، و هي العدوة الشامية، فأقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية، و بعثت عبيدها تستعذب من الماء، فأخذهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و حبسوهم، فقالوا لهم: من أنتم؟قالوا: نحن عبيد قريش. قالوا: فأين العير؟قالوا: لا علم لنا بالعير. فأقبلوا يضربونهم، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي، فانفتل من صلاته، فقال: «إن صدقوكم ضربتموهم، و إن كذبوكم تركتموهم!علي بهم» . فأتوا بهم، فقال لهم: «من أنتم؟» فقالوا: يا محمد، نحن عبيد قريش. قال: «كم القوم؟» قالوا: لا علم لنا بعددهم. فقال: «كم ينحرون في كل يوم جزورا؟» قالوا: تسعة إلى (2) عشرة. فقال: «تسع مائة إلى ألف» قال:
«فمن فيهم من بني هاشم؟» فقالوا: العباس بن عبد المطلب، و نوفل بن الحارث، و عقيل بن أبي طالب. فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بهم فحبسوا، و بلغ قريشا ذلك، فخافوا خوفا شديدا.
و لقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام، فقال له: أما ترى هذا البغي؟و الله ما أبصر موضع قدمي، خرجنا لنمنع عيرنا و قد أفلتت فجئنا بغيا و عدوانا، و الله ما أفلح قط قوم بغوا، و لوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كله، و لم نسر هذا المسير.
فقال له أبو البختري: إنك سيد من سادات قريش فسر في الناس و تحمل العير التي أصابها محمد و أصحابه بنخلة و دم ابن الحضرمي، فإنه حليفك.
فقال عتبة: أنت تشير علي بذلك، و ما على أحد منا خلاف إلا ابن حنظلة-يعني أبا جهل-فسر إليه و أعلمه أني قد تحملت العير التي قد أصابها محمد بنخلة، و دم ابن الحضرمي.
قال أبو البختري: فقصدت خباءه، فإذا هو قد أخرج درعا له، فقلت له: إن أبا الوليد بعثني إليك برسالة.
فغضب ثم قال: أما وجد عتبة رسولا غيرك؟فقلت له: أما و الله لو غيره أرسلني ما جئت، و لكن أبا الوليد سيد العشيرة، فغضب غضبة أخرى، و قال: تقول: سيد العشيرة؟! فقلت: أنا أقول و قريش كلها تقول، أنه قد تحمل العير، و ما أصابه محمد بنخلة، و دم ابن الحضرمي.