هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 652 من 914
صفحة
[صفحة 650]
موضع كذا و كذا، و هي تنزل غدا ها هنا، و أنا أعمل لهم، و أقضيك. فرجعا إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فأخبراه بما سمعا، فأقبل أبو سفيان بالعير، فلما شارف بدرا تقدم العير، و أقبل وحده حتى انتهى إلى ماء بدر، و كان بها رجل من جهينة، يقال له مجدي الجهني، فقال له: مجدي، هل لك علم بمحمد و أصحابه؟قال: لا، قال: و اللات و العزى، لئن كتمتنا أمر محمد لا تزال قريش لك معادية إلى آخر الدهر، فإنه ليس أحد من قريش إلا و له شيء في هذه العير نش فصاعدا، فلا تكتمني. فقال: و الله ما لي علم بمحمد، و ما بال محمد و أصحابه بالتجار، إلا أني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا و استعذبا من الماء، و أناخا راحلتيهما في هذا المكان و رجعا، فلا أدري من هما. فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففت أبعار الإبل بيده، فوجد فيها النوى، فقال: هذه علائف يثرب، هؤلاء و الله عيون محمد. فرجع مسرعا، و أمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر، و تركوا الطريق و مروا مسرعين.
و نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبره أن العير قد أفلتت، و أن قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها، و أمره بالقتال، و وعده النصر، و كان نازلا بالصفراء (1) ، فأحب أن يبلوا الأنصار لأنهم إنما وعدوه أن ينصروه في الدار، فأخبرهم أن العير قد جازت، و أن قريشا قد أقبلت لتمنع عيرها، و أن الله قد أمرني بمحاربتهم. فجزع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) من ذلك، و خافوا خوفا شديدا، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «أشيروا علي» . فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، إنها قريش و خيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، و لا ذلت منذ عزت، و لم تخرج على هيئة الحرب. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «اجلس» . فجلس، فقال: «أشيروا علي» . فقام عمر (2) ، فقال مثل مقالة أبي بكر (3) . فقال (صلى الله عليه و آله) : «اجلس» . فجلس.
ثم قام المقداد (رحمه الله) ، فقال: يا رسول الله، إنها قريش و خيلاؤها، و قد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا أن ما جئت حق من عند الله!و الله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا أو شوك الهراس (4) لخضنا معك، و لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقََاتِلاََ إِنََّا هََاهُنََا قََاعِدُونَ (5) و لكنا نقول: اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فجزاه النبي (صلى الله عليه و آله) خيرا، ثم جلس.
ثم قال: «أشيروا علي» . فقام سعد بن معاذ، فقال: بأبي أنت و أمي-يا رسول الله-كأنك قد أردتنا؟فقال:
«نعم» . قال: فلعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره؟قال: «نعم» . قال: بأبي أنت و أمي، يا رسول الله، إنا قد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، و خذ من أموالنا ما شئت، و اترك منها ما شئت، و الذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت، و الله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك. فجزاه خيرا، ثم قال سعد: بأبي أنت و أمي، يا رسول الله، و الله ما أخذت هذا الطريق قط، و مالي به علم، و قد خلفنا
____________
(1) الصفراء: واد من ناحية المدينة، كثير النخل و الزرع، بينه و بين بدر مرحلة. «معجم البلدان 3: 412» .