هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 674 من 898
صفحة
[صفحة 674]
أكن فيه كسيرتك، و أقع منه بحيث مرادك، و إن توفيقي إلا بالله» . و قال (صلى الله عليه و آله) : «و إن ألقي عليك شبه مني-أو قال شبهي-» . قال (عليه السلام) : «إن» بمعنى نعم (1) . قال (صلى الله عليه و آله) : «فارقد على فراشي، و اشتمل ببردي الحضرمي، ثم إني أخبرك يا علي إن الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم و منازلهم من دينه، فأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، و قد امتحنك يا بن أم (2) و امتحنني فيك بمثل ما امتحن خليله إبراهيم و الذبيح إسماعيل، فصبرا صبرا، فإن رحمة الله قريب من المحسنين» . ثم ضمه النبي (صلى الله عليه و آله) إلى صدره و بكى إليه وجدا، و بكى (عليه السلام) جشعا لفراق رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و استتبع رسول الله (صلى الله عليه و آله) أبا بكر بن أبي قحافة و هند بن أبي هالة، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار، و لبث رسول الله (صلى الله عليه و آله) بمكانه مع علي (عليه السلام) يوصيه و يأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشائين.
ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) في فحمة (3) العشاء الآخرة و الرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل و تنام الأعين، فخرج و هو يقرأ هذه الآية: وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنََاهُمْ فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ (4) و كان بيده قبضة من تراب، فرمى بها على رؤوسهم، فما شعر القوم به حتى تجاوزهم، و مضى حتى أتى إلى هند و أبي بكر فأنهضهما فنهضا معه حتى وصلوا إلى الغار، ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أبو بكر الغار.
فلما غلق الليل أبوابه و أسدل أستاره و انقطع الأثر، أقبل القوم على علي (صلوات الله عليه) قذفا بالحجارة، فلا يشكون أنه رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى إذا برق الفجر و أشفقوا أن يفضحهم الصبح، هجموا على علي (صلوات الله عليه) و كانت دور مكة يومئذ سوائب لا أبواب لها، فلما أبصر بهم علي (عليه السلام) قد انتضوا السيوف و أقبلوا عليه بها يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة، وثب له علي (عليه السلام) فختله و همز يده، فجعل خالد يقمص قماص البكر (5) ، و يرغو رغاء الجمل، و يذعر و يصيح و هم في عوج (6) الدار من خلفه، و شد علي (عليه السلام) بسيفه -يعني سيف خالد-فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار، و تبصروه فإذا هو علي (عليه السلام) ، قالوا: و إنك لعلي! قال: «أنا علي» . قالوا: فإنا لم نردك، فما فعل صاحبك؟قال: «لا علم لي به» و قد كان علم-يعني عليا (عليه السلام) -أن الله تعالى قد أنجى نبيه (صلى الله عليه و آله) بما كان أخبره من مضيه إلى الغار، و اختبائه فيه.
____________
(1) في «ط» و المصدر: شبهي أن يمنعني. قال (عليه السّلام) : نعم. و تأتي «إنّ» بمعنى (نعم) من أحرف الجواب.
(2) إنّما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السّلام) : يا ابن أمّ، لأنّ فاطمة (رضي اللّه عنها) كانت مربيّة له (صلى اللّه عليه و آله) و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يلقبها بالأمّ. و لذا قال (صلى اللّه عليه و آله) حين قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : «ماتت امّي» و «بل و اللّه امّي» . البحار 19: 68. و في المصدر: يا ابن عمّ.
(3) الفحمة: الظلمة التي بين صلاتي العشاء. «النهاية 3: 417» .
(4) يس 36: 9.
(5) قمص الفرس و غيره: استنّ، و هو أن يرفع يديه و يطرحهما معا، يعجن برجليه، و البكر: الفتي من الإبل. «لسان العرب-بكر-4: 79 و -قمص-7: 82» .