البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 675 من 898

صفحة
[صفحة 675]

فأدركت قريش عليه العيون، و ركبت في طلبه الصعب و الذلول، و أمهل علي (صلوات الله عليه) حتى إذا أعتم‏ (1)


من الليلة القابلة انطلق هو و هند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الغار، فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) هندا أن يبتاع له و لصاحبه بعيرين. فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي و لك-يا نبي الله-راحلتين نرتحلهما إلى يثرب. فقال: إني لا آخذهما، و لا أحدهما إلا بالثمن» قال: فهي لك بذلك.


فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) فأقبضه الثمن، ثم وصاه بحفظ ذمته و أداء أمانته، و كانت قريش تدعوا محمدا (صلى الله عليه و آله) في الجاهلية الأمين، و كانت تودعه و تستحفظه أموالها و أمتعتها، و كذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم، و جاءت النبوة و الرسالة و الأمر كذلك، فأمر عليا (عليه السلام) أن يقيم صارخا يهتف بالأبطح غدوة و عشيا: «ألا من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت، فلنؤد إليه أمانته» . قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) :


«إنهم لن يصلوا من الآن إليك-يا علي-بأمر تكرهه حتى تقدم علي، فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا، ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي، و مستخلف ربي عليكما و مستحفظه فيكما» فأمر أن يبتاع رواحل له و للفواطم، و من أزمع الهجرة معه من بني هاشم.


قال أبو عبيدة: فقلت لعبيد الله-يعني ابن أبي رافع-: و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجد ما ينفقه هكذا؟ فقال: إني سألت أبي عما سألتني، و كان يحدث بهذا الحديث، فقال: و أين يذهب بك عن مال خديجة (عليها السلام) .


قال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة» و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يفك من مالها الغارم و العاني، و يحمل الكل، و يعطي في النائبة، و يرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، و يحمل من أراد منهم الهجرة، و كانت قريش إذا رحلت عيرها في الرحلتين-يعني رحلة الشتاء و الصيف-كانت طائفة من العير لخديجة، و كانت أكثر قريش مالا، و كان (صلى الله عليه و آله) ينفق منه ما شاء في حياتها، ثم ورثها هو و ولدها بعد مماتها.


قال: و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) و هو يوصيه: «و إذا قضيت ما أمرتك من أمر فكن على اهبة الهجرة إلى الله و رسوله، و انتظر قدوم كتابي إليك، و لا تلبث بعده» .


و انطلق رسول الله (صلى الله عليه و آله) لوجهه يؤم المدينة، و كان مقامه في الغار ثلاثا، و مبيت علي (صلوات الله عليه) على الفراش أول ليلة.


قال عبد الله بن أبي رافع: و قد قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) : يذكر مبيته على الفراش، و مقام رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الغار ثلاثا نظما:


وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا # و من طاف بالبيت العتيق و بالحجر


محمد لما خاف أن يمكروا به # فوقاه ربي ذو الجلال من المكر


و بت أراعيهم متى يأسرونني‏ (2) # و قد وطنت‏ (3) نفسي على القتل و الأسر


____________


(1) أعتم الرجل: دخل في العتمة، أو سار في العتمة، و العتمة: ثلث الليل الأوّل، أو ظلمته، «أقرب الموارد-عتم-2: 743» .

(2) في المصدر: ينشرونني.

(3) في المصدر: وطئت.

التالي ص 675/898 — الأصلية 675 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...