و لما ورد رسول الله (صلى الله عليه و آله) المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقبا (2) ، فأراده أبو بكر على دخوله المدينة و الأصه (3) في ذلك، فقال: «ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمي، و ابنتي» يعني عليا و فاطمة (عليهما السلام) .
قال: قال أبو اليقظان: فحدثنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و نحن معه بقبا، عما أرادت قريش من المكر به، و مبيت علي (عليه السلام) على فراشه، قال: «أوحى الله عز و جل إلى جبرئيل و ميكائيل (عليهما السلام) : أني قد آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه، فأيكما يؤثر أخاه؟و كلاهما كره (4) الموت، فأوحى الله إليهما: عبداي (5) ألا كنتما مثل وليي علي، آخيت بينه و بين محمد نبيي، فآثره بالحياة على نفسه، ثم ظل-أو قال:
رقد-على فراشه يقيه (6) بمهجته، اهبطا إلى الأرض جميعا (7) فاحفظاه من عدوه، فهبط جبرئيل فجلس عند رأسه، و ميكائيل عند رجليه، و جعل جبرئيل يقول: بخ بخ، من مثلك-يا بن أبي طالب-و الله عز و جل يباهي بك الملائكة» قال: فأنزل الله عز و جل في علي (عليه السلام) ، و ما كان من مبيته على فراش رسول الله (صلى الله عليه و آله) : وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبََادِ (8) .
قال أبو عبيدة: قال أبي و ابن أبي رافع: ثم كتب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) كتابا يأمره بالمسير إليه و قلة التلوم (9) ، و كان الرسول إليه أبا واقد الليثي، فلما أتاه كتاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) تهيأ للخروج و الهجرة، فآذن (10) من كان معه من ضعفاء المؤمنين، و أمرهم أن يتسللوا و يتخففوا (11) إذا ملأ الليل بطن كل واد إلى ذي طوى (12) .
و خرج علي بفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و امه فاطمة بنت أسد بن هاشم، و فاطمة بنت الزبير بن
____________
(1) القلوص من النوق: الشابّة، و هي بمنزلة الجارية من النساء، و فريت الأرض: سرتها و قطعتها. «الصحاح-قلص-3: 1054 و-فرا- 6: 2454» .
(2) قبا: قرية قرب المدينة «معجم البلدان 4: 301» .
(3) ألاصه على كذا: أي أداره على الشيء الذي يرومه. «الصحاح-لوص-3: 1056» .
(4) في المصدر: فكلاهما كرا.
(5) في المصدر: عبديّ.
(6) في المصدر: يفديه.
(7) في المصدر: كلا كما.
(8) البقرة 2: 207.
(9) التلوّم: الانتظار و التمكّث. «الصحاح-لوم-5: 2034» .
(10) أي أعلم.
(11) في المصدر: و يتحفظوا.
(12) ذو طوى: مثلثة الطاء: موضع قرب مكّة. «معجم البلدان 4: 44» .