البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 730 من 1004

صفحة
[صفحة 652]

فقال: إن عتبة أطول الناس لسانا، و أبلغهم في الكلام، و يتعصب لمحمد، فإنه من بني عبد مناف و ابنه معه، و يريد أن يخذل الناس، لا، و اللات و العزى حتى نقحم عليهم بيثرب، و نأخذهم أسارى فندخلهم مكة، و تتسامع العرب بذلك، و لا يكون بيننا و بين متجرنا أحد نكرهه.


و بلغ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) كثرة قريش، ففزعوا فزعا شديدا، و بكوا و استغاثوا، فأنزل الله على رسوله (صلى الله عليه و آله) : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجََابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُرْدِفِينَ* `وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاََّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) .


فلما أمسى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و جنه الليل، ألقى الله على أصحابه النعاس حتى ناموا، و أنزل الله تبارك و تعالى عليهم الماء، و كان نزول رسول الله (صلى الله عليه و آله) في موضع لا تثبت فيه القدم، فأنزل الله عليهم السماء و لبد (2) الأرض حتى تثبت أقدامهم، و هو قول الله تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمُ اَلنُّعََاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ اَلشَّيْطََانِ (3) و ذلك أن بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) احتلم وَ لِيَرْبِطَ عَلى‏ََ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ اَلْأَقْدََامَ (4) و كان المطر على قريش مثل العزالي‏ (5) ، و على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) رذاذا بقدر ما لبد الأرض، و خافت قريش خوفا شديدا، فأقبلوا يتحارسون، يخافون البيات‏ (6) .


فبعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) عمار بن ياسر و عبد الله بن مسعود، و قال: «ادخلا في القوم، و اتياني بأخبارهم» . فكانا يجولان في عسكرهم، لا يرون إلا خائفا ذعرا، إذا صهل الفرس ثبت‏ (7) على جحفلته‏ (8) ، فسمعوا منبه بن الحجاج يقول:


لا يترك الجوع لنا مبيتا # لا بد أن نموت أو نميتا


قال (صلى الله عليه و آله) : «قد-و الله-كانوا شباعى، و لكنهم من الخوف قالوا هذا، و ألقى الله في قلوبهم الرعب، كما قال الله تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ (9) » .


فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه و آله) عبأ أصحابه، و كان في عسكره (صلى الله عليه و آله) فرسان: فرس للزبير بن العوام، و فرس للمقداد، و كان في عسكره سبعون جملا يتعاقبون عليها، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) و علي بن أبي طالب (عليه السلام) و مرثد بن أبي مرثد الغنوي على جمل‏[يتعاقبون عليه‏]، و الجمل لمرثد، و كان في عسكر قريش


____________


(1) الأنفال 8: 9-10.

(2) لبد المطر و الندى الأرض: ألصق بعض ترابها ببعض فصارت قويّة لا تسوخ فيها الأرجل.

(3) الأنفال 8: 11.

(4) الأنفال 8: 11.

(5) يقال للسّحابة إذا انهمرت بالمطر: قد حلّت عزاليها و أرسلت عزاليها. «لسان العرب-عزل-11: 443» .

(6) بيّنهم العدوّ بياتا: أي أوقع بهم ليلا. «الصحاح-بيت-1: 245» .

(7) في المصدر: وثب.

(8) الجحفلة لذي الحافر: كالشّفة للإنسان. «مجمع البحرين-جحفل-5: 334» .

(9) الأنفال 8: 12.

التالي ص 730/1004 — الأصلية 652 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...