هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 789 من 898
صفحة
[صفحة 789]
الله (صلى الله عليه و آله) ، منهم: أبو خيثمة و كان قويا، و كانت له زوجتان و عريشان (1) ، و كانت زوجتاه قد رشتا عريشتيه، و بردتا له الماء، و هيأتا له طعاما، فأشرف على عريشته، فلما نظر إليهما، قال: لا و الله، ما هذا بإنصاف، رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، قد خرج في الضح (2) و الريح، و قد حمل السلاح يجاهد في سبيل الله، و أبو خيثمة قوي قاعد في عريشته و امرأتين حسناوين، لا و الله، ما هذا بإنصاف. ثم أخذ ناقته فشد عليها رحله و لحق برسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فنظر الناس إلى راكب على الطريق، فأخبروا رسول الله (صلى الله عليه و آله) بذلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «كن أبا خيثمة» فأقبل و أخبر النبي (صلى الله عليه و آله) بما كان منه، فجزاه خيرا و دعا له.
و كان أبو ذر (رحمه الله) تخلف عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثلاثة أيام، و ذلك أن جمله كان أعجف (3) ، فلحق بعد ثلاثة أيام به، و وقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه و حمل ثيابه على ظهره، فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «كن أبا ذر» فقالوا: هو أبو ذر. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «أدركوه بالماء فإنه عطشان» فأدركوه بالماء، و وافى أبو ذر رسول الله (صلى الله عليه و آله) و معه إداوة (4) فيها ماء، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «يا أبا ذر، معك ماء و عطشت!» قال: نعم-يا رسول الله، بأبي أنت و امي-انتهيت إلى صخرة عليها ماء السماء فذقته، فإذا هو عذب بارد، فقلت: لا أشربه حتى يشرب حبيبي رسول الله.
فقال رسول الله: «يا أبا ذر-رحمك الله-تعيش وحدك، و تموت وحدك، و تبعث وحدك، و تدخل الجنة وحدك، يسعد بك قوم من أهل العراق، يتولون غسلك و تجهيزك و الصلاة عليك و دفنك» .
فلما سير به عثمان إلى الربذة، فمات بها ابنه ذر، وقف على قبره، فقال: رحمك الله-يا ذر-لقد كنت كريم الخلق، بارا بالوالدين، و ما علي في موتك من غضاضة (5) ، و ما بي إلى غير الله من حاجة، و قد شغلني الاهتمام بك عن الاغتمام لك، و لولا هول المطلع لأحببت أن أكون مكانك، فليت شعري ما قالوا لك، و ما قلت لهم؟ثم رفع يده فقال: اللهم إنك فرضت لك عليه حقوقا، و فرضت لي عليه حقوقا، فإني قد وهبت له ما فرضت لي عليه من حقوقي، فهب له ما فرضت عليه من حقوقك، فإنك أولى بالحق و أكرم مني.
و كانت لأبي ذر غنيمات يعيش هو و عياله منها، فأصابها داء، يقال له: النقاز (6) ، فماتت كلها، فأصاب أبا ذر و ابنته الجوع فماتت أهله، فقالت ابنته: أصابنا الجوع، و بقينا ثلاثة أيام لم نأكل شيئا.
فقال: يا بنية، قومي بنا إلى الرمل نطلب القت-و هو نبت له حب-فصرنا إلى الرمل، فلم نجد شيئا، فجمع
____________
(1) العريش: ما يستظلّ به. «الصحاح-عرش-3: 1010» .
(2) الضحّ: الشمس. «الصحاح-ضحح-1: 385» .
(3) الأعجف: المهزول. «الصحاح-عجف-4: 1399» .
(4) الإداوة: المطهرة. «الصحاح-أدا-6: 2266» .
(5) الغضاضة: الذلّة و المنقصة. «القاموس المحيط-غاض-2: 351» .
(6) النقاز: داء يأخذ الغنم فتنقز منه حتّى تموت. «الصحاح-نقز-3: 900» .