هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 792 من 914
صفحة
[صفحة 783]
فراش رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليفديه بنفسه، و وافى المشركون الدار ليلا فتسوروا عليها و دخلوا، و قصدوا إلى فراش رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فوجدوا أمير المؤمنين (عليه السلام) مضطجعا فيه، فضربوا بأيديهم إليه، و قالوا: يا بن أبي كبشة، لم ينفعك سحرك و لا كهانتك و لا خدمة الجان لك، اليوم نسقي أسلحتنا من دمك. فنفض أمير المؤمنين أيديهم عنه، فكأنهم لم يصلوا إليه، و جلس في الفراش، و قال: ما بالكم-يا مشركي قريش-أنا علي بن أبي طالب! قالوا له: و أين محمد، يا علي؟قال: حيث يشاء الله. قالوا: و من في الدار؟قال: خديجة. قالوا: الحبيبة الكريمة لولا تبعلها بمحمد. يا علي، و حق اللات و العزى لولا حرمة أبيك أبي طالب و عظم محله في قريش لأعملنا أسيافنا فيك.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا مشركي قريش، أعجبتكم كثرتكم، و فالق الحب، و بارئ النسمة، ما يكون إلا ما يريد الله، و لو شئت أن أفني جمعكم، كنتم أهون علي من فراش السراج، فلا شيء أضعف منه. فتضاحك القوم المشركون، و قال بعضهم لبعض: خلوا عليا لحرمة أبيه و اقصدوا الطلب لمحمد.
و رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الغار، و جبرئيل (عليه السلام) و أبو بكر معه، فحزن رسول الله (صلى الله عليه و آله) على علي (عليه السلام) و خديجة فقال جبرئيل (عليه السلام) : لا تحزن إن الله معنا. ثم كشف له فرأى عليا و خديجة (عليهما السلام) و رأى سفينة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) و من معه تعوم في البحر، فأنزل الله سكينته على رسوله، و هو الأمان مما خشيه على علي و خديجة، فأنزل الله الآية ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ يريد جبرئيل (عليه السلام) إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ الآية. و لو كان الذي حزن أبو بكر لكان أحق بالأمان من رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، لو لم يحزن.
ثم إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال لأبي بكر: يا أبا بكر، إني أرى عليا و خديجة، و مشركي قريش و خطابهم و سفينة جعفر بن أبي طالب و من معه تعوم في البحر، و أرى الرهط من الأنصار مجلبين في المدينة.
فقال أبو بكر: و تراهم-يا رسول الله-في[هذه الليلة، و في هذه الساعة، و أنت في]الغار و في هذه الظلمة، و ما بينهم و بينك من بعد المدينة عن مكة؟! فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : إني أريك-يا أبا بكر-حتى تصدقن. و مسح يده على بصره، فقال: انظر-يا أبا بكر-إلى مشركي قريش، و إلى أخي على الفراش و خطابه لهم، و خديجة في جانب الدار، و انظر إلى سفينة جعفر تعوم في البحر. فنظر أبو بكر إلى الكل، ففزع و رعب، و قال: يا رسول الله، لا طاقة لي بالنظر إلى ما رأيته، فرد علي غطائي، فمسح على بصره فحجب عما أراه رسول الله.
و قصد المشركون في الطلب ليقفوا أثر رسول الله (صلى الله عليه و آله) [حتى]جاءوا إلى باب الغار، و حجب الله عنهم الناقة و لم يروها، و قالوا: هذا أثر ناقة محمد و مبركها في باب الغار. فدخلوا فوجدوا على باب الغار نسجا قد أظله، فقالوا: ويحكم ما ترون إلى نسج هذه العنكبوت على باب الغار، فكيف دخله محمد؟!فصدهم الله عنه و رجعوا.