البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 853 من 1004

صفحة
[صفحة 763]

الوكيل، إني لا أسأل غيره، و لا حاجة إلي إلا إليه، فسماه خليله، أي فقيره و محتاجه، و المنقطع إليه عمن سواه.


و إذا جعل معنى ذلك من الخلة فقد تخلل معانيه‏ (1) ، و وقف على أسرار لم يقف عليها غيره، كأن معناه العالم به و بأموره، فلا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه، ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله، و إذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله، و أن من يلده الرجل و إن أهانه و أقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده، لأن معنى الولادة قائم.


ثم إن وجب-لأنه قال الله تعالى: إبراهيم خليلي-أن تقيسوا أنتم فتقولوا: إن عيسى ابنه، وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى: إنه ابنه. فإن الذي معه من المعجزات لم يكن دون ما كان مع عيسى، فقولوا: إن موسى أيضا ابنه، و إنه يجوز أن تقولوا على هذا المعنى: شيخه و عمه و سيده و رئيسه و أميره، كما قد ذكرته لليهود.


فقال بعضهم: ففي الكتب المنزلة أن عيسى، قال: أذهب إلى أبي؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : فإن كنتم بذلك الكتاب تعلمون، فإن فيه: ربي و ربكم، و أذهب إلى أبي و أبيكم، فقولوا: إن جميع الذين خاطبهم كانوا أبناء الله، كما كان عيسى ابنه، من الوجه الذي كان عيسى ابنه ثم إن ما في هذا الكتاب يبطل عليكم هذا المعنى الذي زعمتم أن عيسى من جهة الاختصاص كان ابنا له، لأنكم قلتم:


إنما قلنا: إنه ابنه لأنه تعالى اختصه بما لم يختص به غيره، و أنتم تعلمون أن الذي خص به عيسى، لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى: أذهب إلى أبي و أبيكم. فبطل أن يكون الاختصاص لعيسى، لأنه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى. و أنتم إنما حكيتم لفظة عيسى و تأولتموها على غير وجهها، لأنه إذا قال: أبي و أبيكم. فقد أراد غير ما ذهبتم إليه و نحلتموه، و ما يدريكم لعله عنى: أذهب إلى آدم و إلى نوح، إن الله يرفعني إليهم، و يجمعني معهم، و آدم أبي و أبوكم، و كذلك نوح، بل ما أراد غير هذا؟ قال: فسكتت النصارى، و قالوا: ما رأينا كاليوم مجادلا و مخاصما، و سننظر في أمورنا.


ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على الدهرية، فقال: و أنتم، فما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بدء لها، و هي دائمة لم تزل، و لا تزال؟ فقالوا: إنا لا نحكم إلا بما نشاهد، و لم نجد للأشياء حدثا، فحكمنا بأنها لم تزل، و لم نجد لها انقضاء و فناء [فحكمنا بأنها لا تزال‏].


فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أ فوجدتم لها قدما، أم وجدتم لها بقاء أبد الأبد؟فإن قلتم: إنكم قد وجدتم ذلك أثبتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم و عقولكم بلا نهاية، و لا تزالون كذلك، و لئن قلتم هذا دفعتم العيان و كذبكم العالمون الذين يشاهدونكم.


قالوا: بل لم نشاهد لها قدما و لا بقاء أبد الأبد.


قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم و البقاء دائما، لأنكم لم تشاهدوا حدوثها و انقضاءها أولى من تارك التمييز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث و الانقضاء و الانقطاع، لأنه لم يشاهد لها قدما و لا


____________


(1) في المصدر: من الخلة، و هو أنّه قد تخلّل به معانيه.

التالي ص 853/1004 — الأصلية 763 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...