البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 854 من 898

صفحة
[صفحة 854]

فإنما هي حقوق المؤمنين رجعت إليهم بعد ظلم الكفار إياهم، فذلك قوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ما كان المؤمنون أحق به منهم.


و إنما اذن للمؤمنين الذين قاموا بشرائط الإيمان التي وصفناها، و ذلك أنه لا يكون مأذونا له في القتال حتى يكون مظلوما، و لا يكن مظلوما حتى يكون مؤمنا، و لا يكون مؤمنا حتى يكون قائما بشرائط الإيمان التي اشترط الله عز و جل على المؤمنين و المجاهدين. فإذا تكاملت فيه شرائط الله عز و جل كان مؤمنا، و إذا كان مؤمنا كان مظلوما، و إذا كان مظلوما كان مأذونا له في الجهاد، لقوله عز و جل: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ و إن لم يكن مستكملا لشرائط الإيمان فهو ظالم، ممن ينبغي و يجب جهاده حتى يتوب إلى الله، و ليس مثله مأذونا له في الجهاد و الدعاء إلى الله عز و جل، لأنه ليس من المؤمنين المظلومين الذين اذن لهم في القرآن في القتال. فلما نزلت هذه الآية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا في المهاجرين الذين أخرجهم‏ (1)


أهل مكة من ديارهم و أموالهم، أحل لهم جهادهم بظلمهم إياهم، و اذن لهم في القتال» .


فقلت: فهذه نزلت في المهاجرين، بظلم مشركي أهل مكة لهم، فما بالهم في قتالهم كسرى و قيصر و من دونهم من مشركي قبائل العرب؟ فقال: «لو كان إنما اذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكة فقط، لم يكن لهم إلى قتال كسرى و قيصر و غير أهل مكة من قبائل العرب سبيل، لأن الذين ظلموهم غيرهم، و إنما اذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكة، لإخراجهم إياهم من ديارهم و أموالهم بغير حق، و لو كانت الآية إنما عنت المهاجرين الذين ظلمهم أهل مكة، كانت الآية مرتفعة الفرض‏ (2) عمن بعدهم، إذ لم يبق من الظالمين و المظلومين أحد، و كان فرضها مرفوعا عن الناس بعدهم إذ لم يبق من الظالمين و المظلومين أحد.


و ليس كما ظننت، و لا كما ذكرت، و لكن المهاجرين ظلموا من جهتين: ظلمهم أهل مكة بإخراجهم من ديارهم و أموالهم، فقاتلوهم بإذن الله لهم في ذلك، و ظلمهم كسرى و قيصر و من كان دونهم من قبائل العرب و العجم بما كان في أيديهم مما كان المؤمنون أحق به دونهم‏ (3) ، فقد قاتلوهم بإذن الله عز و جل لهم في ذلك، و بحجة هذه الآية يقاتل مؤمنو كل زمان.


و إنما أذن الله عز و جل للمؤمنين، الذين قاموا بما وصف الله عز و جل من الشرائط التي شرطها الله عز و جل على المؤمنين في الإيمان و الجهاد، و من كان قائما بتلك الشرائط فهو مؤمن، و هو مظلوم، و مأذون له في الجهاد بذلك المعنى. و من كان على خلاف ذلك فهو ظالم، و ليس من المظلومين، و ليس بمأذون له في القتال، و لا بالنهي عن المنكر، و الأمر بالمعروف، لأنه ليس من أهل ذلك، و لا مأذون له في الدعاء إلى الله عز و جل، لأنه ليس يجاهد مثله و أمر بدعائه إلى الله عز و جل، و لا يكون مجاهدا من قد أمر المؤمنون بجهاده، و حظر الجهاد عليه و منعه منه،


____________


(1) في «ط» : في المال و الدار و أخرجوهم.

(2) في «ط» : الغرض.

(3) في المصدر: منهم.

التالي ص 854/898 — الأصلية 854 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...