البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 856 من 1004

صفحة
[صفحة 766]

ثم أقبل على الفريق الثاني، فقال لهم: أخبرونا عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد الله فسجدتم لها و صليتم، و وضعتم الوجوه الكريمة على التراب، فما الذي أبقيتم لرب العالمين؟أما علمتم أن من حق من يلزم تعظيمه و عبادته أن لا يساوى به عبده؟أرأيتم ملكا عظيما إذا ساويتموه بعبيده في التعظيم و الخشوع و الخضوع أ يكون في ذلك وضع للكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟فقالوا: نعم. فقال: أ فلا تعلمون أنكم من حيث تعظمون الله بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون على رب العالمين؟فسكت القوم بعد أن قالوا: سننظر في أمورنا.


ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) للفريق الثالث: لقد ضربتم لنا مثلا و شبهتمونا بأنفسكم و لسنا سواء، و ذلك أنا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر له فيما أمرنا، و ننزجر عما زجرنا، و نعبده من حيث يريد منا، فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه و لم نتعد إلى غيره مما لم يأمرنا، و لم يأذن لنا، لأنا لا ندري لعله أراد منا الأول و هو يكره الثاني، و قد نهانا أن نتقدم بين يديه. فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعنا، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعنا، فلم نخرج في شي‏ء من ذلك من اتباع أمره، و الله عز و جل حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره، فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه، لأنكم لا تدرون لعله يكره ما تفعلون، إذ لم يأمركم به.


ثم قال: لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أرأيتم لو أمركم رجل بدخول‏ (1) داره يوما بعينه، أ لكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره؟و لكم أن تدخلوا دارا له اخرى مثلها بغير أمره؟أو وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه، أو عبدا من عبيده، أو دابة من دوابه، أ لكم أن تأخذوا ذلك؟قالوا: نعم. قال: فإن لم تجدوه أخذتم آخر مثله؟قالوا: لا، لأنه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن لنا في الأول.


قال (صلى الله عليه و آله) : فأخبروني، الله تعالى أولى بأن لا يتقدم على ملكه بغير أمره أو بعض المملوكين؟قالوا:


بل الله أولى بأن لا يتصرف في ملكه بغير أمره و إذنه. قال (صلى الله عليه و آله) : فلم فعلتم، و من‏ (2) أمركم أن تسجدوا لهذه الصور؟قال: فقال القوم: سننظر في أمورنا ثم سكتوا.


قال الصادق (عليه السلام) : فو الذي بعثه بالحق نبيا ما أتت على جماعتهم ثلاثة أيام حتى أتوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأسلموا، و كانوا خمسة و عشرين رجلا، من كل فرقة خمسة، و قالوا: ما رأينا مثل حجتك-يا محمد-نشهد أنك رسول الله.


و قال الصادق (عليه السلام) : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : فأنزل الله: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (3) فكان في هذه الآية رد على ثلاثة أصناف منهم: لما قال: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فكان ردا على الدهرية الذين قالوا: إن الأشياء لا بدء لها و هي دائمة. ثم قال: وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ فكان ردا على الثنوية الذين قالوا: إن النور و الظلمة هما المدبران. ثم


____________


(1) في المصدر: لو أذن لكم رجل دخول.

(2) في المصدر: و متى.

(3) الأنعام 6: 1.

التالي ص 856/1004 — الأصلية 766 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...