هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 977 من 1004
صفحة
[صفحة 872]
قلت: كيف ذاك؟قال: «لأن الله تبارك و تعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم، و قسمه عليها، و فرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا و قد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها، فمنها قلبه الذي به يعقل و يفقه و يفهم، و هو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح و لا تصدر إلا عن رأيه و أمره، و منها عيناه اللتان يبصر بهما، و أذناه اللتان يسمع بهما، و يداه اللتان يبطش بهما، و رجلاه اللتان يمشي بهما، و فرجه الذي الباه من قبله، و لسانه الذي ينطق به، و رأسه الذي فيه وجهه.
فليس من هذه جارحة إلا و قد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها، بفرض من الله تبارك و تعالى اسمه، ينطق به الكتاب لها، و يشهد به عليها، ففرض على القلب غير ما فرض على السمع، و فرض على السمع غير ما فرض على العينين، و فرض على العينين غير ما فرض على اللسان، و فرض على اللسان غير ما فرض على اليدين، و فرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، و فرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، و فرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.
فأما ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار و المعرفة و المحبة (1) و الرضا و التسليم، بأن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إلها واحدا لم يتخذ صاحبة و لا ولدا، و أن محمدا عبده و رسوله (صلى الله عليه و آله) ، و الإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب، فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار و المعرفة، و هو عمله، و هو قول الله عز و جل:
إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ وَ لََكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً (2) ، و قال: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ (3) و قال: اَلَّذِينَ قََالُوا آمَنََّا بِأَفْوََاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ (4) ، و قال: وَ إِنْ تُبْدُوا مََا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحََاسِبْكُمْ بِهِ اَللََّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ (5) ، فذلك ما فرض الله عز و جل على القلب من الإقرار و المعرفة و هو عمله و هو رأس الإيمان.
و فرض الله على اللسان القول و التعبير عن القلب بما عقد عليه و أقر به، قال الله تبارك و تعالى: وَ قُولُوا لِلنََّاسِ حُسْناً (6) ، و قال: وَ قُولُوا آمَنََّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنََا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلََهُنََا وَ إِلََهُكُمْ وََاحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (7) ، فهذا ما فرض الله على اللسان، و هو عمله.
و فرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله، و أن يعرض عما لا يحل له مما نهى الله عز و جل عنه، و الإصغاء إلى ما أسخط الله عز و جل، فقال في ذلك: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتََابِ أَنْ إِذََا سَمِعْتُمْ آيََاتِ اَللََّهِ