هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · الصفحة الأصلية 588 / داخلي 557 من 887
»»
[صفحة 588]
فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يا عبد الله، أما ما ذكرت من أني آكل الطعام كما تأكلون، و زعمت أنه لا يجوز لأجل هذه أن أكون لله رسولا، فإن الأمر لله يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و هو محمود، و ليس لك و لا لأحد الاعتراض عليه، بلم و كيف، ألم تر أن الله تعالى كيف أفقر بعضا و أغنى بعضا، و أعز بعضا و أذل بعضا، و أصح بعضا و أسقم بعضا، و شرف بعضا و وضع بعضا و كلهم ممن يأكل الطعام؟ثم ليس للفقراء أن يقولوا: لم أفقرتنا و أغنيتهم؟ و لا للوضعاء أن يقولوا: لم وضعتنا و شرفتهم؟و لا للزمنى (1) ، و الضعفاء أن يقولوا: لم أزمنتنا و أضعفتنا و صححتهم؟و لا للأذلاء أن يقولوا: لم أذللتنا و أعززتهم؟و لا للقباح الصور أن يقولوا: لم أقبحتنا و جملتهم؟بل إن أبوا و قالوا ذلك، كانوا على ربهم رادين، و له في أحكامه منازعين، و به كافرين، و لكان جوابه لهم: إني أنا الملك الرافع الخافض المغني المفقر المعز المذل المصح المسقم، و أنتم العبيد ليس لكم إلا التسليم لي و الانقياد لحكمي، فإن سلمتم كنتم عبادا مؤمنين، و إن أبيتم كنتم بي كافرين، و بعقوباتي من الهالكين.
ثم أنزل الله تعالى: يا محمد: قُلْ إِنَّمََا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (2) ، يعني آكل الطعام يُوحىََ إِلَيَّ أَنَّمََا إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ
____________
2 «3»
يعني قل لهم: أنا في البشرية مثلكم و لكن ربي خصني بالنبوة دونكم، كما يخص بعض البشر بالغناء، و الصحة و الجمال دون بعض من البشر، فلا تنكروا أن يخصني أيضا بالنبوة.
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أما قولك: إن هذا ملك الروم و ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال، عظيم الحال، له قصور و دور و فساطيط و خيام و عبيد و خدام، و رب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده؛ فإن الله تعالى له التدبير و الحكم، لا يفعل على ظنك و حسبانك و اقتراحك، بل يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و هو محمود.
يا عبد الله، إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس دينهم، و يدعوهم إلى ربهم، و يكد نفسه في ذلك آناء الليل و أطراف النهار، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها، و عبيد و خدم يسترونه عن الناس، أليس كانت الرسالة تضيع و الأمور تتباطأ؟أو ما رأيت الملوك إذا احتجبوا كيف يجري الفساد و القبائح من حيث لا يعلمون و لا يشعرون؟ يا عبد الله، إنما بعثني الله و لا مال لي ليعرفكم قوته و قدرته، و أنه هو الناصر (4) لرسوله، لا تقدرون على قتله و لا منعه من رسالته، فهذا أبين في قدرته و في عجزكم، و سوف يظفرني الله بكم فأوسعكم قتلا و أسرا، ثم يظفرني الله ببلادكم، و يستولي عليها المؤمنون من دونكم، و دون من يوافقكم على دينكم.
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أما قولك لي: و لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك و نشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا، فالملك لا تشاهده حواسكم، لأنه من جنس هذا الهواء لا عيان منه، و لو شاهدتموه-بأن يزاد في قوى أبصاركم-لقلتم: ليس هذا ملكا، بل هذا بشر، لأنه إنما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه مقاله، و لتعرفوا خطابه و مراده، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك و أن ما يقوله حق؟بل إنما بعث الله بشرا رسولا، و ظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر
____________
(1) الزّمنى: جمع زمن، و هو المصاب بعاهة أو مرض مزمن.