البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · الصفحة الأصلية 589 / داخلي 558 من 887

[صفحة 589]

الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم، فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة، و أن ذلك شهادة من الله تعالى بالصدق له، و لو ظهر لكم ملك و ظهر على يده ما يعجز عنه البشر، لم‏ (1) يكن فيه فائدة لكم، إن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا، ألا ترون أن الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز، لأن لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، و لو أن إنسانا طار كطيرانها لكان ذلك معجزا، فالله عز و جل سهل عليكم الأمر، و جعله بحيث تقوم عليكم الحجة، و أنتم تقترحون العمل الصعب الذي لا حجة فيه.


ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : و أما قولك: ما أنت إلا رجلا مسحورا، فكيف أكون كذلك، و أنتم تعلمون أني في‏ (2) التمييز و العقل فوقكم؟فهل جربتم علي مذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة جريرة (3) أو كذبة أو خنا (4) أو خطأ من القول، أو سفها من الرأي؟أ تظنون أن رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول نفسه و قوتها أو بحول الله و قوته؟و ذلك ما قال الله تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (5) إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجه أكثر من دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها.


ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : و أما قولك: لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (6) ، الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود بالطائف؛ فإن الله تعالى ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت، و لا خطر له عنده كما له عندك، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة منها (7) ، و ليس قسمة رحمة الله إليك، بل الله القاسم للرحمات، و الفاعل لما يشاء في عبيده و إمائه، و ليس هو عز و جل ممن يخاف أحدا كما تخافه أنت لماله أو حاله، و لا ممن يطمع في أحد في ماله أو حاله فيخصه بالنبوة لذلك، و لا ممن يحب أحدا محبة الهوى كما تحب، فتقدم من لا يستحق التقديم، و إنما معاملته بالعدل، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين و خلاله‏ (8) ، إلا الأفضل في طاعته و الأجد في خدمته، و كذلك لا يؤخر في مراتب الدين و خلاله إلا أشدهم تباطؤا عن طاعته، و إذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال و لا إلى حال، بل هذا المال و الحال من فضله، و ليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب‏ (9) ، فلا يقال له: إذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضا، لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده، و لا إلزامه تفضلا، لأنه تفضل قبله بنعمه، ألا ترى-يا عبد الله-كيف أغنى واحدا و قبح صورته؟و كيف حسن صورة واحد و أفقره؟و كيف شرف واحدا أفقره؟و كيف


____________

(1) في المصدر: لم يكن في ذلك ما يدلّكم.

(2) في المصدر زيادة: صحة.

(3) في المصدر زيادة: أو زلّة.

(4) الخنا: الفحش في القول. «لسان العرب-خنا-14: 244» .

(5) الإسراء 17: 48، الفرقان 25: 9.

(6) الزخرف 43: 31.

(7) في المصدر: شربة ماء.

(8) في «ط» ، في الموضعين: رجلا له. و في المصدر: و جلاله.

(9) هذا الأمر ضربة لازب، أي لازم شديد. «لسان العرب-لزب-1: 738» . و في «ط» : ضريبة لازب.

التالي الأصلية 589داخلي 558/887 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...