هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · الصفحة الأصلية 855 / داخلي 810 من 887
صفحة
[صفحة 855]
جمعا، للموت تولدون، و إلى القبور تنقلون، و على التراب تتوسدون (1) ، و إلى الدود تسلمون، و إلى الدود تسلمون، و إلى الحساب تبعثون.
يا ذوي الحيل و الآراء، و الفقه و الأنباء، اذكروا مصارع الآباء، فكأنكم بالنفوس قد سلبت، و بالأبدان قد عريت، و بالمواريث قد قسمت، فتصير-يا ذا الدلال، و الهيبة و الجمال-إلى منزلة شعثاء، و محلة غبراء، فتنوم على خدك في لحدك، في منزل قل زواره، و مل عماله، حتى يشق عن القبور، و تبعث إلى النشور، فإن ختم لك بالسعادة صرت إلى حبور، و أنت ملك مطاع، و آمن لا يراع، يطوف عليكم ولدان كأنهم الجمان، بكأس من معين، بيضاء لذة للشاربين.
أهل الجنة فيها يتنعمون، و أهل النار فيها يعذبون، هؤلاء في السندس و الحرير يتبخترون (2) ، و هؤلاء في الجحيم و السعير يتقلبون، هؤلاء تحشى جماجمهم بمسك الجنان و هؤلاء يضربون بمقامع النيران، هؤلاء يعانقون الحور في الحجال، و هؤلاء يطوقون أطواقا في النار بالأغلال، فله (3) ، فزع قد أعيى الأطباء، و به داء لا يقبل الدواء.
يا من يسلم إلى الدود، و يهدى إليه، اعتبر بما تسمع و ترى، و قل لعينك تجفو لذة الكرى، و تفيض من الدموع بعد الدموع تترى، بيتك القبر بيت الأهوال و البلى، و غايتك الموت يا قليل الحياء.
اسمع-يا ذا الغفلة و التصريف-من ذوي (4) الوعظ و التعريف، جعل يوم الحشر يوم العرض و السؤال، و الحباء (5) و النكال، يوم تقلب إليه (6) أعمال الأنام، و تحصى فيه جميع الآثام، يوم تذوب من النفوس أحداق عيونها، و تضع الحوامل ما في بطونها، و يفرق بين كل نفس و حبيبها، و يحار في تلك الأهوال عقل لبيبها، إذ تنكرت الأرض بعد حسن عمارتها، و تبدلت بالخلق بعد أنيق زهرتها، أخرجت من معادن الغيب أثقالها، و نفضت إلى الله أحمالها.
يوم لا ينفع الجد، إذا (7) عاينوا الهول الشديد فاستكانوا، و عرف المجرمون بسيماهم فاستبانوا، فانشقت القبور بعد طول انطباقها، و استسلمت النفوس إلى الله بأسبابها، كشف عن الآخرة غطاؤها، و ظهر للخلق أبناؤها، فدكت الأرض دكا دكا، و مدت لأمر يراد بها مدا مدا، و اشتد المثارون إلى الله شدا شدا، و تزاحفت الخلائق إلى المحشر زحفا زحفا، و رد المجرمون على الأعقاب ردا ردا، وجد الأمر-ويحك، يا إنسان!-جدا جدا، و قربوا للحساب فردا فردا، و جاء ربك و الملك صفا صفا، يسألهم عما عملوا حرفا حرفا، فجيء بهم عراة الأبدان، خشعا