هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 110 من 944
صفحة
[صفحة 118]
لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء، و كانت الصخرة يعظمونها و يعبدونها، و يذبحون (1) عندها في رأس كل سنة، و يجتمعون عندها، فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيا رسولا، فادع لنا إلهك حتى يخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة عشراء (2) ، فأخرجها الله كما طلبوا منه.
ثم أوحى الله تبارك و تعالى إليه: أن-يا صالح-قال لهم: إن الله قد جعل لهذه الناقة من الماء شرب يوم، و لكم شرب يوم. و كانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم، فيحلبونها فلا يبقى صغير و لا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك فإذا كان الليل و أصبحوا، غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم، و لم تشرب الناقة ذلك اليوم، فمكثوا بذلك ما شاء الله.
ثم إنهم عتوا على الله، و مشى بعضهم إلى بعض، و قالوا: اعقروا هذه الناقة و استريحوا منها، لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم و لها شرب يوم. ثم قالوا: من الذي يلي قتلها، و نجعل له جعلا ما أحب؟فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق، ولد زنا، لا يعرف له أب، يقال له: قدار (3) ، شقي من الأشقياء، مشؤوم عليهم، فجعلوا له جعلا، فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده، تركها حتى شربت و أقبلت راجعة، فقعد لها في طريقها، فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئا، فضربها ضربة اخرى فقتلها، و خرت إلى الأرض على جنبها، و هرب فصيلها حتى صعد إلى الجبل، فرغا ثلاث مرات إلى السماء. و أقبل قوم صالح، فلم يبق منهم أحد إلا شركه في ضربته، و اقتسموا لحمها فيما بينهم، فلم يبق منهم صغير و لا كبير إلا أكل منها.
فلما رأى ذلك صالح أقبل إليهم، فقال: يا قوم، ما دعاكم إلى ما صنعتم، أ عصيتم أمر ربكم؟فأوحى الله تبارك و تعالى إلى صالح (عليه السلام) : إن قومك قد طغوا و بغوا، و قتلوا ناقة بعثتها إليهم حجة عليهم، و لم يكن عليهم فيها ضرر، و كان لهم منها أعظم المنفعة، فقل لهم: إني مرسل عليهم عذابي إلى ثلاثة أيام، فإن هم تابوا و رجعوا قبلت توبتهم، و صددت عنهم، و إن هم لم يتوبوا و لم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث.
فأتاهم صالح (عليه السلام) ، فقال لهم: يا قوم، إني رسول ربكم إليكم، و هو يقول لكم: إن أنتم تبتم و رجعتم و استغفرتم غفرت لكم، و تبت عليكم، فلما قال لهم ذلك كانوا أعتى ما كانوا و أخبث، و قالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال: يا قوم، إنكم تصبحون غدا و وجوهكم مصفرة، و اليوم الثاني وجوهكم محمرة، و اليوم الثالث وجوهكم مسودة. فلما أن كان أول يوم أصبحوا و وجوههم مصفرة، فمشى بعضهم إلى بعض، و قالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح و لا نقبل قوله، و إن كان عظيما؛ فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة، فمشى بعضهم إلى بعض، فقالوا: يا قوم، قد جاءكم ما قال لكم صالح. فقال العتاة منهم: لو أهلكنا جميعا ما سمعنا قول صالح، و لا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها، و لم يتوبوا و لم يرجعوا؛ فلما كان اليوم الثالث