هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 630 من 992
صفحة
[صفحة 590]
أغنى واحدا و وضعه، ثم ليس لهذا الغني أن يقول: هلا أضيف إلى يساري جمال فلان، و لا للجميل أن يقول: هلا أضيف إلى جمالي مال فلان، و لا للشريف أن يقول: هلا أضيف إلى شرفي مال فلان، و لا للوضيع أن يقول: هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان، و لكن الحكم لله يقسم كيف (1) يشاء و يفعل كيف يشاء، و هو حكيم في أفعاله، محمود في أعماله، و ذلك قوله تعالى: وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلىََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ قال الله تعالى: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يا محمد نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا (2) ، فأحوجنا بعضا إلى بعض و أحوجنا هذا إلى مال ذاك، و أحوجنا ذاك إلى سلعة هذا أو إلى خدمته، فترى أجل الملوك و أغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه، و إما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك إلا أن يستعين به، و إما باب من المعلوم و الحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير، و هذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني، و ذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته، ثم ليس للملك أن يقول: هلا اجتمع إلى ملكي، و مالي علمه و رأيه؟و لا لذلك الفقير أن يقول: هلا أجتمع إلى رأيي و علمي و ما أتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني؟ثم قال: وَ رَفَعْنََا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا (3) ثم قال: يا محمد، قل لهم: وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمََّا يَجْمَعُونَ (4) يجمع هؤلاء من أموال الدنيا.
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : و أما قولك: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، إلى آخر ما قلته، فإنك اقترحت على محمد رسول الله أشياء: منها مالو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته، و رسول الله يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين، و يحتج عليهم بما لا حجة فيه؛ و منها ما لو جاءك به لكان معه هلاكك، و إنما يؤتى بالحجج و البراهين ليلزم عباد الله الإيمان لا ليهلكوا بها، فإنما اقترحت هلاكك، و رب العالمين أرحم بعباده و أعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون، و منها المحال الذي لا يصح و لا يجوز كونه، و رسول رب العالمين يعرفك ذلك، و يقطع معاذيرك، و يضيق عليك سبيل مخالفتك، و يلجئك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد و لا محيص؛ و منها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة و لا تصغي إلى برهان، و من كان كذلك فدواؤه عذاب الله النازل من سمائه أو في جحيمه أو بسيوف أوليائه.
و أما قولك، يا عبد الله: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة، فإنها ذات حجارة و صخور و جبال، تكسح أرضها و تحفرها تجري فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون، فإنك سألت هذا و أنت جاهل بدلائل الله تعالى-يا عبد الله-أ رأيت لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيا؟أ رأيت الطائف التي لك فيها بساتين، أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها و ذللتها و كسحتها و أجريت فيها عيونا استنبطتها؟قال: بلى، قال: فهل لك في