هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 637 من 890
صفحة
[صفحة 669]
و مر ذو القرنين بعده، فأخطؤوا الوادي، و سلكوا تلك الظلمة أربعين يوما و أربعين ليلة، ثم خرجوا بضوء ليس بضوء نهار و لا شمس و لا قمر، و لكنه نور، فخرجوا إلى أرض حمراء و رملة خشخاشة (1) فركة (2) كأن حصاها اللؤلؤ، فإذا هو بقصر مبني على طول فرسخ، فجاء ذو القرنين إلى الباب فعسكر عليه، ثم توجه بوجهه وحده إلى القصر، فإذا طائر و إذا حديدة طويلة قد وضع طرفاها على جانبي القصر، و الطير الأسود معلق (3) في تلك الحديدة بين السماء و الأرض مزموم (4) ، كأنه الخطاف (5) أو صورة الخطاف أو شبيه بالخطاف، أو هو خطاف، فلما سمع خشخشة ذي القرنين، قال: من هذا؟قال: أنا ذو القرنين، فقال الطائر: يا ذا القرنين، أما كفاك ما وراءك حتى وصلت إلى حد بابي هذا؟ففرق ذو القرنين فرقا شديدا، فقال: يا ذا القرنين، لا تخف و أخبرني. قال سل قال: هل كثر بنيان الآجر و الجص في الأرض؟قال: نعم، قال: فانتفض الطير، و امتلأ حتى ملأ من الحديدة ثلثها، ففرق ذو القرنين، فقال: لا تخف، و أخبرني. قال: سل. قال: هل كثرت المعازف؟قال: نعم. قال: فانتفض الطير و امتلأ حتى امتلأ من الحديدة ثلثيها، ففرق ذو القرنين، فقال: لا تخف، و أخبرني. قال: سل. قال: هل ارتكب الناس شهادة الزور في الأرض؟قال: نعم. فانتفض انتفاضة و انتفخ، فسد ما بين جداري القصر، قال: فامتلأ ذو القرنين عند ذلك فرقا منه، فقال له: لا تخف و أخبرني. قال: سل: قال: هل ترك الناس شهادة ان لا إله إلا الله؟قال: لا. فانضم ثلثه، ثم قال: يا ذا القرنين، لا تخف و أخبرني. قال: سل. قال: هل ترك الناس الغسل من الجنابة؟قال: لا.
قال: فانضم حتى عاد إلى الحالة الاولى، فإذا هو بدرجة مدرجة إلى أعلى القصر، فقال الطير: يا ذا القرنين، اسلك هذه الدرجة؛ فسلكها و هو خائف لا يدري ما يهجم عليه، حتى استوى على ظهرها، فإذا هو بسطح ممدود مد البصر، و إذا رجل شاب أبيض مضيء الوجه، عليه ثياب بيض، كأنه رجل، أو في صورة رجل، أو شبيه بالرجل، أو هو رجل، و إذا هو رافع رأسه إلى السماء ينظر إليها، واضع يده على فيه، فلما سمع خشخشة ذي القرنين، قال:
من هذا؟قال: أنا ذو القرنين. قال: يا ذا القرنين، ما كفاك ما وراءك حتى وصلت إلي؟قال ذو القرنين: ما لي أراك واضعا يدك على فيك؟قال: يا ذا القرنين، أنا صاحب الصور، و إن الساعة قد اقتربت، و أنا أنتظر أن أؤمر بالنفخ فأنفخ؛ ثم ضرب بيده، فتناول حجرا فرمى به إلى ذي القرنين، كأنه حجر، أو شبه حجر، أو هو حجر، فقال:
يا ذا القرنين، خذها، فإن جاع جعت، و إن شبع شبعت، فارجع.
فرجع ذو القرنين بذلك الحجر، حتى خرج به إلى أصحابه، فأخبرهم بالطير و ما سأله عنه، و ما قال له،
____________
(1) الخشخاش: كلّ شيء يابس إذا حكّ بعضه ببعض صوت. «المعجم الوسيط 1: 235» .
(2) قال المجلسي رحمة اللّه: فركة: أي لينّة. بحيث يمكن فركها باليد، البحار 12: 206.
(3) في «ط» : معلق بأنفه.
(4) زمّ الشيء: شدّه «لسان العرب-زمم-12: 272» .
(5) الخطّاف: السّنونو، و هو ضرب من الطيور القواطع. «المعجم الوسيط-خلف-1: 245» .