البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 256 / داخلي 233 من 850

[صفحة 256]

مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «إن موسى لما حملت به أمه، لم يظهر حملها إلا عند وضعه، و كان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظونهن، و ذلك أنه كان لما بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون: إنه يولد فينا رجل، يقال له موسى بن عمران، يكون هلاك فرعون و أصحابه على يده. فقال فرعون عند ذلك: لأقتلن ذكور أولادهم، حتى لا يكون ما يريدون. و فرق بين الرجال و النساء، و حبس الرجال في المحابس‏ (1) .


فلما وضعت أم موسى موسى (عليه السلام) ، نظرت إليه، و حزنت عليه، و اغتمت و بكت، و قالت: يذبح الساعة.


فعطف الله بقلب الموكلة بها عليها (2) ، فقالت لام موسى: ما لك قد اصفر لونك؟فقالت: أخاف أن يذبح ولدي.


فقالت: لا تخافي. و كان موسى لا يراه أحد إلا أحبه، و هو قول الله: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي (3) فأحبته القبطية الموكلة به.


و أنزل الله على موسى التابوت، و نوديت امه: ضعيه في التابوت فاقذفيه في اليم، و هو البحر وَ لاََ تَخََافِي وَ لاََ تَحْزَنِي إِنََّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جََاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ ، فوضعته في التابوت، و أطبقت عليه، و ألقته في النيل. و كان لفرعون قصر على شط النيل متنزه‏ (4) ، فنزل من قصره و معه آسية امرأته، فنظر إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج، و الرياح تضربه، حتى جاءت به إلى باب قصر فرعون، فأمر فرعون بأخذه، فأخذ التابوت، و رفع إليه، فلما فتحه وجد فيه صبيا، فقال: هذا إسرائيلي. و ألقى الله في قلب فرعون لموسى محبة شديدة، و كذلك في قلب آسية، و أراد فرعون أن يقتله، فقالت آسية: لاََ تَقْتُلُوهُ عَسى‏ََ أَنْ يَنْفَعَنََا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ أنه موسى (عليه السلام) ، و لم يكن لفرعون ولد، فقال: ائتوا له بظئر تربيه. فجاءوا بعدة نساء قد قتل أولادهن، فلم يشرب لبن أحد من النساء، و هو قول الله: وَ حَرَّمْنََا عَلَيْهِ اَلْمَرََاضِعَ مِنْ قَبْلُ .


و بلغ امه أن فرعون قد أخذه، فحزنت، و بكت، كما قال: وَ أَصْبَحَ فُؤََادُ أُمِّ مُوسى‏ََ فََارِغاً إِنْ كََادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ، يعني كادت أن تخبر بخبره، أو تموت، ثم ضبطت نفسها، فكان كما قال الله عز و جل: لَوْ لاََ أَنْ رَبَطْنََا عَلى‏ََ قَلْبِهََا لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ* `وَ قََالَتْ لِأُخْتِهِ ، أي لاخت موسى: قُصِّيهِ أي اتبعيه، فجاءت أخته إليه فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ أي عن بعد وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ فلما لم يقبل موسى بأخذ ثدي أحد من النساء، اغتم فرعون غما شديدا، فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، و هم له ناصحون؟فقال: نعم فجاءت بامه، فلما أخذته في حجرها، و ألقمته ثديها، و التقمه و شرب، ففرح فرعون و أهله، و أكرموا امه، و قالوا لها: ربيه لنا، و لك منا الكرامة بما تختارين‏ (5) . و ذلك قول الله تعالى: فَرَدَدْنََاهُ إِلى‏ََ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهََا وَ لاََ تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ .


____________

(1) في «ج، ي» : المجالس.

(2) في المصدر: عليه.

(3) طه 20: 39.

(4) المتنزّه: مكان التّنزّه. «المعجم الوسيط 2: 915» .

(5) في المصدر: ربّيه لنا، فإنا نفعل بك ما نفعل.

التالي الأصلية 256داخلي 233/850 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...