هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 668 / داخلي 623 من 850
»»
[صفحة 668]
قال: «فانقض إليه اللعين، فوجد أيوب في مسجده متضرعا إلى الله تعالى بأنواع الثناء، داعيا إليه بأعظم الدعاء، و يشكره على جميع النعماء، و يحمده على جميع البلاء، و هو يقول: و عزتك و جلالك، لا ازددت على بلائك إلا شكرا، و لو ألبستني ثوب البلاء سرمدا لا ازددت على بلائك إلا صبرا. قال: فلما سمع إبليس اغتاظ من قوله، و عجل، و لم يتركه حتى يرفع رأسه من السجود، فانحدر في الأرض حتى صار تحت أنفه، ثم نفخ في فيه و منخريه نار اللهب، فاسود وجه أيوب (عليه السلام) في الحال، فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدميه، فتمعط منها شعره، فلما كان اليوم الثاني ورم، و عظم، و في الثالث اسود، و في الرابع امتلأ ماء أصفر، و في الخامس صار قيحا، و في السادس وقع فيه الدود، و سال صديده، و وقع فيه الحكاك (1) ، فحك جسده شهرين حتى سقطت أظافيره، ثم حك بالمسوح و الخرق، و بالحجارة الخشنة، و كان إذا رأى دودة سقطت من بدنه ردها بيده إلى موضعها، و يقول لها: كلي من لحمي و دمي حتى يأتي الله بالفرج.
فقالت رحمة: يا أيوب، ذهب المال و الولد، و قد بدأ الضر في الجسد. فقال أيوب: يا رحمة، إن الله تعالى ابتلى النبيين من قبلي فصبروا، و إن الله تعالى وعد الصابرين خيرا. ثم خر أيوب ساجدا، و جعل يقول: إلهي و سيدي، لو جعلت علي ثوب البلاء سرمدا، و حرمتني العافية، و مزقتني الديدان، ما ازددت إلا شكرا، إلهي لا تشمت بي عدوي إبليس اللعين» .
قال: «و كانت رحمة تبكي مرة، و تصرخ أخرى لما ترى من بلاء أيوب، و هو (عليه السلام) ينهاها عن ذلك، و يقول لها: أ لست أنت من بنات الأنبياء، و تعلمين أني نبي الله، و أن لي أسوة بالنبيين و المرسلين، و آبائك: إبراهيم، و إسماعيل، و إسحاق، و يعقوب، و يوسف؟ثم سأل الله تعالى لها الصبر على ما تشاهد منه، ثم قال لها أيوب:
انطلقي التمسي لي موضعا غير مسجدي فاحمليني إليه. فمضت رحمة، و نظرت له موضعا، ثم عادت إليه فاحتملته إلى فضاء من الأرض، و كان قد قال لها: إني لا أحب أن يتلوث المسجد.
ثم انطلقت إلى قوم كان أيوب (عليه السلام) يبرهم و يحسن إليهم كثيرا، فلما التمست له موضعا، طلبتهم أن يعينوها على إخراج أيوب من المسجد. فقالوا لها: إن أيوب قد غضب عليه ربه و هتك ستره لما كان فعله من الرياء، فيا ليت كان بيننا و بينه بعد المشرقين، فإنه لو كان فيه خير في عبادة ربه، ما ابتلاه. فرجعت رحمة إلى أيوب، و قالت له: يا أيوب، جلت المصيبة، خاب أملنا من أهل المعارف و أهل الاصطناع. فقال لها: يا رحمة، هكذا يكونون أهل البلاء، و لكن تقدمي إلي، و قولي: لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، و أدخلي يدك اليمنى تحت رأسي، و يدك اليسرى تحت رجلي، و احمليني. ففعلت ذلك، و احتملته بقوة الله تعالى حتى أخرجته إلى الفضاء، و هو الموضع الذي يوضع فيه الموائد من أيوب للضعفاء و المساكين.
ثم قال: يا رحمة، إن الصدقة حرام علينا، و لا تحل لنا، فاحتالي في الخدمة. فأسبل دمعته. فقالت رحمة: ما يبكيك، يا نبي الله؟فقال لها: يا رحمة، أنت من بنات النبيين، و من نسل المرسلين، و أنت امرأة عظيمة الحسن
____________
(1) الحكاك: داء يحكّ منه كالجرب. «المعجم الوسيط-حكك-1: 190» .