البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 669 / داخلي 624 من 850

[صفحة 669]

و الجمال، و ما اعطي الحسن و الجمال في زمانك إلا جدك يوسف (عليه السلام) ، و إن في القرية فساق كثيرة، و أنت تخدمين، و أخشى عليك من مكائد إبليس اللعين. فبكت رحمة، و قالت: يا نبي الله، ما جزائي منك إلا أن تتهمني و تنسبني إلى ذلك، و أنا من بنات النبيين و الصديقين الطاهرين؟!و حق آبائي و أجدادي ما ملت بعيني إلى آدمي بعدك. فعند ذلك أذن لها أيوب (عليه السلام) بالخدمة.


و كانت تخدم أهل البثنة في سقي الماء، و كنس البيوت، و إخراج المزابل، و غسل الثياب و الخرق، و يعطونها الاجرة و تنفقها على أيوب (عليه السلام) في طعامه و شرابه، فأقبل إبليس في صورة شيخ كبير حتى وقف على أهل القرية، فقال لهم: كيف تطيب أنفسكم بامرأة تعالج من زوجها القيح، و الصديد، و نتن الرائحة، ثم تدخل بيوتكم و تدخل يديها في أوعيتكم، و طعامكم، و شرابكم؟قال: فوقع ذلك في قلوبهم، و لم يتركوا رحمة أن تدخل بيوتهم من ذلك اليوم. فكرهت رحمة أن تخبر أيوب (عليه السلام) بذلك حتى لا يزداد حزنا على حزنه، و كان القوم لا يستخدمونها، و كانوا يعطونها الشي‏ء فتطعمه ذلك، و لا تخبره بشي‏ء من أمرها» .


قال: «فاشتد بأيوب البلاء و نتن رائحته، حتى لا يقدر أحد من أهل القرية أن يستقر في بيته لشدة نتن الرائحة، و لم يدروا ما يصنعون، فاجتمع رأيهم على أن يرسلوا عليه كلابا لتأكله، فبلغ ذلك رحمة، فجاءت إلى أيوب فأخبرته بذلك، فقال لها: يا رحمة، لم يكن الله تعالى بالذي يسلط علي الكلاب و أنا نبيه و ابن أنبيائه. قال:


فجمع أهل القرية كلاب الرعاة، فأرسلوها على أيوب (عليه السلام) ، فجاءت إليه تعدو، فلما تقاربت منه رجعت إلى خلفها، فهربت الكلاب عن البلاد حتى لم يكن في تلك القرية كلب واحد.


و كان القوم يأتون أيوب، و يقولون له: لا صبر لنا على بليتك، إما أن تخرج عنا و إلا رجمناك بالحجارة حتى تموت فنستريح منك. فقال لهم أيوب: لا ترجموني بالحجارة، و لكن أخرجوني من قريتكم إلى بعض مزابلكم، فإني أرجو من الله تعالى أن لا يضيعني. فقالوا له: إنا نستقذرك و أنت بعيد عنا، فكيف ندنو منك و نحملك؟ثم انصرفوا عنه.


فقال أيوب لرحمة: أيتها الصديقة الطاهرة البارة، قد عرفت أن هؤلاء القوم قد بغضوني و ملوني، فقفي على مفرق الطريق، فلعلك أن تقفي على أحد من الناس فتخبرينه بقصتي، و تسأليه أن يعينك على حملي من هذه القرية. فقالت رحمة: لا تعجل علي حتى أخرج إلى بلد كذا و كذا و أتخذ لك هناك عريشا.


ثم وقفت على الطريق تنظر من يمر بها، و إذا هي برجلين كأنهما قمرين، تفوح منهما رائحة طيبة، فتوسمت فيهما الخير، و استحيت أن تسألهما عن حاجتها، فلما دنوا منها قالا لها: و أين أيوب خليلنا و صديقنا، و كيف هو على بلائه؟فأخبرتهما بحاله، و ضجر أهل القرية منه، و كيف سوت له العريش على المزبلة، ثم قالت لهما: إن لي إليكما حاجة، و هي دعوة منكما له بالعافية. فقالا لها: نعم، فإذا رجعت إليه فأقرئيه منا السلام. ثم أنهما مضيا، فانصرفت رحمة إلى أيوب، و أخبرته بحديث الرجلين و ما كان منهما، فصاح أيوب صيحة، و قال: وا شوقاه إليك يا جبرئيل، وا شوقاه إليك يا ميكائيل، ثم قال: يا رحمة، و من مثلك الآن و قد كلمتك الملائكة. فقالت له رحمة: قد هيأت لك العريش، و لكن اصبر حتى أقف على قارعة الطريق لعل أحدا يمر بي فيساعدني على حملك.


التالي الأصلية 669داخلي 624/850 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...